فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وما إن أقرأ حتى أرتقي، وتسكُن نفسي، ويبتلّ حلقي، وتهدأ جوارحي، وتسمو روحي، وأحلِّق في دنيا القرآن.. مع البلاغة والبيان.. مع النَّغَم الشجيِّ والسحر الحلال .. مع الله سبحانه في كلامه.. في أمره ونهيه.. في قَصِّه وإخباره.. في نعيمه وعذابه.. في جنَّته وناره..
وأعود إلى نفسي فأدركُ أن القسوةَ رحمة.. والزَّجر حَنان.. والعقوبة عَطف.. والنهيَ رأفة.. والأمرَ زُلفى.. وأن مع العُسر يسرا.. وأن الخَضْم لا يُدرَك إلا بالقَضْم.. والدعةَ لا تُنال إلا بالعنَت والمعاناة.
وأن الشاعرَ صادق حيثُ يقول:
بصُرتَ بالرَّاحةِ الكُبرى فلم تَرَها تُنالُ إلا على جِسرٍ منَ التَّعَبِ
والآخَر أصدق حيثُ يقول:
فقَسا ليَزْدَجِروا ومَن يَكُ راحِماً فليَقسُ أَحياناً على مَن يَرحمُ
الآن أدركتُ بعد أن عانيت همَّ الولد.. ولهوَ الولد.. وعزوفَ الولد عن كلِّ ما ينفعُه.. أدركتُ كم كان والدي رحيماً في قسوته.. رؤوفاً في سَطوته.. عَطوفاً في تقريعه وعقوبته.. أدركتُ كم كان يُعاني ويُكابد.. كم كان يُجاهد ويُجالد، لا تأخذُه فينا لومةُ لائم، ولا تَثنيه عن تربيتنا رغبةُ راغب ولا رهبةُ راهب، وإنما هي طريقةٌ اختطَّها ودرب سلكها، يستشرف من ورائها الوصولَ إلى غاية نبيلة، وهدف سامٍ يَهون عليه في سبيل تحقيقه كلُّ ما يلقى من مَصاعبَ ونوائب، وكلُّ ما يعترضه من عُزوف وإهمال أو نفور وإعراض. فكان يقف وحدَه جَلْداً مَلْداً لا تَلين له قناةٌ ولا ينعطِف له سبيل، ولا تَحول دون إمضائه ما يُريد حوائلُ الدنيا بما فيها من لذائذَ أو رغائبَ أو أطايب أو أعاجب. ولسانُ حاله ومقاله يردِّد:
قفْ دونَ رأيكَ في الحياةِ مُجاهِداً إن الحياةَ عَقيدةٌ وجِهادُ
رحمك الله يا أبي .. رحمك الله يا أبي
هذا أبي ... هذا أبي ... فليُرني أحدكُم أباه!
و إذا كان يُحكَم على المرء بنتاجه فإليك نتاجَ أبي...