فهرس الكتاب

الصفحة 13722 من 19127

مرَّة مرَّ أسبوع لم ترها. لم تعد تستسيغ طعاماً ولا شراباً، شُغلت عن دروسكَ ومذاكرتك. استحييتَ منذ سمعتَ ما سمعتَ أن تسأل عنها في أول الأمر، ثم عصرك الشوق فلم تطق، قلتَ بلهفة وعتاب لم تستطع إخفاءهما:

-أين عزيزة يا أمي؟

ضحكت أمك، قرأتك سطراً سطراً. قالت لك وهي تحتضنك:

-ذهبتْ تزور خالتها فاستبقتها أياماً.. اشتقتَ إليها يا صغيري؟

لا تدري إلى الآن لمَ انتحبتَ بالبكاء يومذاك؟ ورأيتَ نفسك تندفع ببراءة الأطفال لتقول:

-سمعتُكِ تقولين لخالتي أم سليم: عزيزة لصلاح.. وصلاح لعزيزة.. ماذا تعنين يا أمي؟.

ضحكت أمكَ حتى كادت تنقلب على ظهرها:

-أيها العفريت.. سمعتَ إذن كلَّ شيء.. أنت أذكى من قرد، وفاهمٌ والله كل شيء..

ومضت إلى شأنها. ولم تزد.

عرف كلٌّ منكما أنه للآخر. لم تعد المعاني - على صغركما - ملتبسة. صرتَ تغار عليها كالرجال، وصرت تحسُّ أنك مسؤول عنها، بل صرتَ تشعر أن عليك أن تمارس عليها رجولة الرجال.

أصبحتَ تأمرها وتنهاها كما يأمر أبوك أمك وينهاها. ومن عجب أنها كانت تستلذ ذلك، تبدو طروباً أن تكون طوع أمرك، وأن تخفض لك جناحها، وأن تتمسح بك كما تتمسح القطة بصاحبتها.

كنت تحسُّ بالفحولة والفتوة وأنت تقول لها:

-عزيزة.. ادرسي حتى تكوني الأولى في الصفّ.

وكان يسوءُك أن تقول لك:

-أنا لا أحب الدراسة كما تحبها يا صلاح.. الدراسة همّ وغمّ.. وتلبس ثوب الواعظين فتقول لها:

-بل الدراسة علم وفهم.. ادرسي يا عزيزة..

ثم تضيف:

-أريدكِ مثقفة متعلِّمة..

فتستحي، وتغض أهدابها الوطفاء، وتحس أنت بالرجولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت