فهرس الكتاب

الصفحة 13723 من 19127

مرت الأيام، وكبرت عزيزة - كعادة الفتيات - بسرعة، راحت تستدير نحو الصبا، نضج فيها كلُّ شيء، كنت تراقب ذلك مبهوراً منتشياً، ولكنْ كان لذلك كله ثمن باهظ؛ حُرِمتَ رؤية عزيزة الصبية، لم تعد تأتي مع أمها إلا نادراً، وإذا أتت لم تعد تخلو بها كأيام زمان، تظلُّ إلى جانب أمها لا تتبعك، تظلان تتبادلان النظر من بعيد، ويقرأ كلٌّ منكما أعماق الآخر..

ثم انقطعت عن الحضور مع أمها، لم يعد أبوها يسمح بذلك، وعندما فاض بك الكيل ذات يوم، اندفعتَ تسأل أمك وأنت تعرف الجواب:

-لماذا لم تعد عزيزة تأتي مع أمها؟

ضحكت أمك وقالت بمودة:

-ألا تعرف أيها العفريت؟ عزيزة صارت صبية.. ولا يجوز أن تظهر أمام غريب..

غريب! صفعتك الكلمة.. أنت غريب الآن عن عزيزة التي قضيت سنوات تلعب معها ولا تفترقان أبداً؟

أحست أمك - كالعادة - بكل ما في داخلك. عجَّلت تخفِّف عنك:

-استعجل.. تخرَّج من الجامعة وتوظف حتى أخطُبها لك..

لكنكَ ما تزال في السنة الثانية.. مشوارك طويل طويل... هل من أمل أن تظلَّ عزيزة بانتظارك؟

إن البنت اليوم كالزهرة الناضرة، كالبدر الساطع في كبد السّماء، كلَّ يوم يطرق باب أبيها خاطبون جاهزون.

علمتَ يوماً - كما قد كنت تتوقع - أن عزيزة قد خُطبت، ومع ذلك لم تكد تصدِّق أذنيك. وقع الخبر عليك كالصاعقة. أهكذا بهذا اليسر ينتهي كل ما كان بينكما؟ أين كلام أم سليم - رحمها الله - وكلام أمك:

-صلاح لعزيزة.. وعزيزة لصلاح؟..

قرأت أمكَ ما في داخلك من غير أن تتكلَّم، قالت لك مواسية:

-البنت يا ولدي بلغت سن الزواج من سنوات.. انتظروك طويلاً، لم يكونوا يؤثرون عليك أحداً.. ولكنك ما زلتَ في أول الطريق، مشوارك يا صلاح طويل طويل.. الجامعة والدراسات العليا والوظيفة: (( البنت يا ولدي تكبر بسرعة.. قطار الزواج يغادرها على عجل.. ) ).

سكتتْ دامعةَ العينين، ثم أكملت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت