فهرس الكتاب

الصفحة 13724 من 19127

-صعبٌ أن نربطها بمستقبل غامضةٍ ملامحُه.. جاءها عريس رضي أبوها دينه وخلقه وحالته الاجتماعية.. فقلتُ: أنتِ في حِلٍّ يا أم سليم.. وكل شيء قسمة ونصيب.

وتزوجتْ عزيزة، وانشغلتَ أنتَ بدراستك الجامعية، ثم سافرتَ سنواتٍ لإكمال دراستك العليا... سرقتك الدراسة والتحصيل عن كل شيء، أو سرقتْ منك كلَّ شيء.. صرت دكتوراً كبيراً..

فكرتَ طويلاً في عزيزة، كانت تضيء في جوانح نفسك بين الحين والحين، ولكنك كنت تنشغل بسرعة. استسلمتَ لقدرك، وعلمتَ أن عزيزة لم تخلق لك.

ما الذي أتى بعزيزة اليوم؟ عشرون سنة مضت. علمتَ أنها تزوجت خارج دمشق زيجة موفقة. كان زوجها رجلاً صالحاً تقياً ميسور الحالة، رزقت منه بناتٍ وبنين. فرحتَ لها كما لم تفرح لأحد في عمرك.

-تعال يا صلاح.

ما زالت أمك تناديك. وأنت مغمض العينين عند عتبة الباب تتابع شريط السنين.

-تعال يا صلاح.. هذه عزيزة بنت أم سليم جارة حارتنا القديمة.. دنوت حييّاً. كأنك ما زلت ذلك الطفل الصغير:

-السلام عليكم..

أسدلتْ عزيزة خمارها على وجهها كما اعتادت أن تفعل أمام الرجال الغرباء مذ بلغت..

ردَّتْ عليك:

-وعليكم السلام.. كيف حالك يا دكتور صلاح؟

(( دكتور صلاح ) )لم تدرِ لمَ لمْ يطربك هذا اللقب من فمها؟ أحسستَ أنك تفضِّل أن تناديك بصلاح فقط حتى تشمَّ عبق السنين، ولكن عبق السنين قد تلاشى، وجدتَ نفسك تردُّ عليها بالمثل:

-الحمدلله.. وأنتِ كيف حالكِ يا مدام عزيزة؟

لم تجرؤ أن تنظر إليها لترى ماذا أحدث الزمن فيها، ولكنك كنتَ على يقين أنك لو قابلتها بعد خمسين سنة لعرفتها.

كان معها طفلان في مثل سنَّيكما يوم افترقتما: ولد وبنت، قالت:

-هذا عمر.. وهذه صفاء... وعندي ثلاثة آخرون..

رحتَ تنظر إليهما بحبٍّ ومودَّة. رأيت في صفاء صورة عزيزة التي تعرف، حملتَها تقبلها، ثم انحنيتَ على عمر تقبله.

انسللتَ إلى غرفتك بعد أن استأذنت، ومضى يتتابع أمامك شريط العمر..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت