هذا منطق الحديث في نفسي، وقد كنت أقرؤه وأنا أَتَمَثَّلُهُ مُرْسَلاً بتلك الفصاحة العالية مِنْ فَمِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حيث يَمُرُّ إعجاز الوحي أوَّلَ ما يخرج به الصوتُ البَشَرِيُّ إلى العالم، فلا أرى ثَمَّ إلا أن شيئًا إلهيًّا عظيمًا متصلاً بروح الكَوْن كلِّه اتصالَ بعض السرِّ ببعض السرِّ، يتكلم بكلامٍ إنسانيٍّ، هو هذا الحديث، الذي يجئ في كلمات قوية رائعة، فنها في بلاغتها كالشباب الدائم.
كنتُ أتأمَّله قِطعًا منَ البيان؛ فأراه ينقلني إلى مثل الحالة التي أتأمَّل فيها روضةً تتَنَفَّسُ على القلب، أو منظرًا يَهُزُّ جمالُهُ النفس، أو عاطفة تَزِيد بها الحياةُ في الدمِ، على هدوء ورُوح وإحساس ولذَّة؛ ثم يَزيد على ذلك أنه يصلح من الجهات الإنسانية في نفسي، ثم يرزق الله منه رزقَ النور، فإذا أنا في ذَوْقِ البيان؛ كأنما أرى المتكلِّم - صلى الله عليه وسلم - وراء كلامه.
وأَعْجَبُ من ذلك أني كثيرًا ما أقف عند الحديث الدقيق، أتعرف أسرارَهُ، فإذا هو يشرح لي ويهديني بهَدْيِهِ؛ ثم أُحِسُّهُ كأنَّما يقول لي ما يقول المعلِّم لتلميذه: أَفَهِمْتَ؟
وقفتُ عند قوله - صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ قومًا ركبوا في سفينة فاقتسموا، فصار لكلّ رجل منهم موضع، فَنَقَرَ رجل منهم موضِعَهُ بفأس، فقالوا له: ما تصنع؟! قال: هو مكاني أصنع فيه ما شئت، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا ) ).