فهرس الكتاب

الصفحة 5496 من 19127

فكان لهذا الحديث في نفسي كلامٌ طويل عن هؤلاء الذين يخوضون [5] معنا البحر، ويُسَمِّون أنفسهم بالمجدِّدين، ويَنتحلون ضروبًا من الأوصاف: كحرية الفكر، والغَيْرَةِ، والإصلاح، ولا يزال أحدهم يَنْقُرُ مَوْضِعَهُ من سفينة دِيننا وأخلاقنا وآدابنا بفأسه؛ أي: بقلمه... زاعمًا أنه مَوْضِعُهُ من الحياة الاجتماعية، يصنع فيه ما يشاء، ويتولاه كيف أراد، موجِّهًا لحماقته وُجُوهًا من المعاذير والحُجَج؛ من المدنِيَّة والفسلفة، جاهلاً أنَّ القانون في العاقبة دون غيرها؛ فالحُكْم لا يكون على العمل بعد وقوعه؛ كما يحكم على الأعمال الأخرى؛ بل قبل وقوعه، والعقاب لا يكون على الجُرم يَقْتَرِفُهُ المجرم؛ كما يعاقَب اللص والقاتل وغيرهما؛ بل على الشروع فيه؛ بل على تَوَجُّهِ النية إليه، فلا حرية هنا في عمل، يُفْسِدُ خشب السفينة، أو يَمَسُّهُ من قُرْب أو بُعْدٍ، ما دامت مُلْجِجَةً في بحرها، سائرةً إلى غايتها؛ إذ كلمة"الخَرْق"لا تَحمل في السفينة معناها الأرضي، وهناك لفظة (أَصْغَرُ خَرْقٍ) ليس لها إلا معنى واحد، هو (أَوْسَعُ قَبْرٍ) ...

فَفَكِّرْ في أعظم فلاسفة الدنيا مَهْما يكن من حريته وانطلاقه، فهو هاهنا محدود على رغم أنفه بحدود من الخشب والحديد، تفسيرها في لغة البحر: حدود الحياة والمصلحة، وكما أن لفظة"الخَرْق"يكون من معانيها في البحر القَبْر والغَرَق والهلاك، فكلمة"الفلسفة"يكون من بعض معانيها في الاجتماع: الحماقة والغفلة والبلاهة، وكلمة"الحرية"يكون من معانيها: الجناية والزيغ والفساد، وعلى هذا القياس اللغوي، فالقلم في أيدي بعض الكتاب من معانيه الفأس، والكاتب من معانيه المُخَرِّب، والكتابة من معانيها الخيانة؛ قال لي الحديث: أفهمتَ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت