فهرس الكتاب

الصفحة 5497 من 19127

هكذا يجب تَأَمُّل الجمال الفنّيِّ في كلامه - صلى الله عليه وسلم - فهو كلام كلما زِدْتَهُ فِكرًا زادك معنًى، وتفسيرُه قريب قريب؛ كالروح في جسمها البشري؛ ولكنه بعيد بعيد؛ كالروح في سِرِّها الإلهي؛ فهُو مَعَكَ على قَدْرِ ما أَنْتَ مَعَه؛ إن وقفْتَ على حدٍّ وَقَفَ، وإن مَدَدْتَ مَدَّ، وما أَدَّيْتَ به تَأَدَّى [6] ، وليس فيه شيء مما تراه لكل بُلَغاء الدنيا من صناعة عَبَثِ القول، وطريقة تأليف الكلام، واستخراج وضعٍ من وضع، والقيام على الكلمة حتى تُبَيَّضَ كلمة أخرى... والرغبة في تكثير سواد المعاني، وتَرْك اللسان يَطِيشُ طَيْشَهُ اللُّغَوِيَّ، يتعلق بكل ما عَرَضَ له، ويَحْذُو الكلام على معاني ألفاظه، ويجتلب له منها ويَستكرِهُها على أغراضه، ويطلب لصناعته من حيث أدرك وعجز، ومن حيث كان ولم يكن؛ إنما هو كلام قيل لتصير به المعاني إلى حقائقها؛ فهو من لسانٍ وراءَهُ قَلْبٌ، وراءه نور، وراءه الله - جل جلاله - وهو كلام في مجموعه كأنه دنيا أصدرها - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه العطيمة، لا تَبْرَح ماضيةً في طريقها السَّوِيِّ على دين الفطرة؛ فلا تتَّسع لخلاف، ولا يقع بها التنافر؛ والخلاف والتَّنافُر إنَّما يكونانِ من الحيوانيَّة المختَلِفة بطَبِيعَتها؛ لقيامِها على قانون التَّنازُع، تَعْدُو به وتجترم [7] وتأثم، فهي نازلة إلى الشرِّ، والشرُّ بعضه أَسفلُ من بعض، أمَّا رُوحانية الفطرة فمُتَّسِقَة [8] بطبيعتها، لا تقبل في ذاتها افتراقًا ولا اختلافًا؛ إذ كان أوَّلها العلوَّ فوق الذاتية، وقانونُها التعاونَ على البِرِّ والتقوى، فهي صاعدة إلى الجهير، والخير بعضه أعلى من بعض.

فكلامه - صلى الله عليه وسلم - يجري مَجْرَى عمله: كلُّه دين وتقوَى وتعليم، وكلُّه رُوحانيَّة وقوة وحياة؛ وإنَّه يخيَّلُ إليَّ وقد أُخِذْتُ بِطُهْرِه وجمالِه، أنَّ منَ الفنِّ العجيب أن يكون هذا الكلام صلاة وصيامًا في الألفاظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت