فهرس الكتاب

الصفحة 5498 من 19127

أما أُسلوبه - صلى الله عليه وسلم - فأجد له في نفسي روحَ الشريعة ونظامها وعزيمتها، فليس له إلا قوة، قوَّة أمْرٍ نافذ لا يتخلَّف، وإنَّ له مع ذلك نَسَقًا هادئًا هُدُوءَ اليقين، مُبِينًا بيانَ الحكمة، خالصًا خُلوص السرِّ، واقعًا من النفس المؤمنة موقع النعمة من شاكرها؛ وكيف لا يكون كذلك وهو أَمْرُ الروح العظيمة الموجهة بكلمات ربها ووَحْيِهِ، ليَتَوَجَّهَ بها العالم كأنه منه مكان المحور: دورَتُه بنفسه، هي دورته بنفسه وبما حوله؟! رُوح نبي مصلِح رحيمٍ، هو بإصلاحه ورحمته في الإنسانية، وهو بالنبوة فوقَها، وهو بهذه وتلك في شمائله وطِباعه مجموعٌ إنسانيٌّ عظيم لو شُبِّهَ بشيء لَقيل فيه: إنه كمجموع القارات الخمس لعمران الدنيا.

ومَن دَرَس تاريخه - صلى الله عليه وسلم - وأعطاه حقَّهُ منَ النظر والفِكْر والتحقيق، رأى نَسَقًا منَ التاريخ العجيب؛ كنظام فَلَكٍ منَ الأفلاك، مُوَجَّه بالنور في النور من حيث يبدأ إلى حيث ينتهي، فليسَ يَمْتَرِي عاقِلٌ مُمَيِّز أنَّ هَذِه الحياةَ الشريفةَ بذلك النظام الدقيق في ذلك التوجُّه المحكَم، لا يُطِيقُها بَشَر من لحمٍ ودمٍ على ناموس الحياة؛ إلا إذا كان في لحمه ودمه معنى النور والكهرباء على ناموسٍ أقوى من الحياة.

ولم يكن مثله - صلَّى الله عليه وسلم - في الصبر والثبات، واستقرارِ النفس، واطمئنانها على زلازل الدنيا، ولا في الرحمة ورقةِ القلب والسُّمُوِّ فوقَ معانِي البقاء الأرضيِّ، فهو قد خُلِق كذلك ليغلب الحوادث ويتسلط على المادة، فلا يكون شأنه شأنَ غيرِهِ منَ الناس: تَدْفِنُهُم معاني التراب وهم أحياء فوق التراب، أو يَحُدُّهُمُ الجسمُ الإنسانيُّ من جميع جهاتهم بحدودِ طِباعه ونَزَعاته، وبذلك فقد كان - عليه الصلاة والسلام - مَنْبَعَ تاريخ في الإنسانية كلِّها دائمًا، ولِرَأْسِ الدنيا نظام أفكاره الصحيحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت