فهرس الكتاب

الصفحة 11166 من 19127

هذه هي القصة كما تُقرأ في التاريخ، وكما ظهرت في الزمان والمكان، فلْنقرأها نحن كما هي في معاني الحكمة، وكما ظهرت في الإنسانية العالية، فسنجد لها غَوْرًا [4] بعيدًا، ونعرف فيها دَلالةً ساميةً، ونتبيَّن تحقيقًا فلسفيًّا دقيقًا للأوهام والحقائق.

وهي - قبل كلِّ هذا، ومع كلِّ هذا: تنطوي على حكمةٍ رائعةٍ، لم يَتنبَّه لها أحدٌ، ومن أجلها ذُكرت في القرآن الكريم؛ لتكون نصًّا تاريخيًّا قاطعًا، يدافِع به التاريخ عن هذا النبي العظيم في أمرٍ من أمور العقل والغريزة، فإنَّ جَهَلَةَ المبشِّرين في زمننا هذا، وكثيرًا من أهل الزَّيْغ [5] والإلحاد، وطائفةً من قِصار النَّظر في التَّحقيق: يزعمون أنَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إنما استكثر من النساء لأهواءٍ نفسيَّةٍ محضةٍ، وشهواتٍ كالشَّهوات، ويتطرَّقون من هذا الزَّعم إلى الشُّبهة، ومن الشُّبهة إلى سوء الظنِّ، ومن سُوء الظنِّ إلى قُبْح الرأي؛ وكلهم غبيٌّ جاهلٌ؛ فلو كان الأمر على ذلك، أو على قريبٍ منه، أو نحوٍ من قريبه، لما كانت هذه القصة التي أساسها نفي الزينة، وتجريد نسائه جميعًا منها، وتصحيح النيَّة بينه وبينهنَّ على حياةٍ لا تحيا فيها معاني المرأة، وتحت جوٍّ لا يكون أبدًا جوَّ الزَّهْر... وأمرُهُ من قِبِل ربِّه أن يُخَيِّرَهُنَّ جميعًا بين سراحهنَّ؛ فيكنَّ كالنساء، ويَجِدْنَ ما شِئْنَ من دنيا المرأة، وبين إمساكهنَّ، فلا يَكُنَّ معه إلا في طبيعة أخرى تبدأ من حيث تنتهي الدنيا وزينتها.

فالقصة نفسها ردٌّ على زعم الشهوات؛ إذ ليست هذه لغةَ الشَّهوة، ولا سياسةَ معانيها، ولا أسلوبَ غضبها أو رضاها، وما ها هنا تمليقٌ ولا إطراءٌ ولا نعومةٌ، ولا حرصٌ على لذَّةٍ، ولا تعبير بلغة الحاسَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت