فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكأنه - صلى الله عليه وسلم - يريد ليُعلِّم الأُمَّة بهذه القصة أنَّ الجماعاتِ لا تصلح بالقوانين والشرائع والأمر والنهي، ولكنْ بعمل عظمائها في الأمر والنهي؛ وأنَّ الحاكم على النَّاس لا ينبغي أن يَحْكُمَ إلاَّ إذا كان في نفسه وطبيعته يُحِسّ فتنة الدنيا إحساسَ المتسلِّط [18] لا الخاضع، ليكون أوَّلُ استقلاله استقلالَ داخلِهِ.
فليس ذلك فقرًا ولا زهدًا؛ كما ترى في ظاهر القصة، ولكنها جُرأةُ النَّفس العظمى في تقرير حقائقها العملية.
وتنتهي القصة في عبارة القرآن الكريم بتسمية زوجاته - صلى الله عليه وسلم:"أمهاتِ المؤمنين"بعد أنِ اخْتَرْنَ اللهَ ورسوله والدار الآخرة؛ وعلماء التفسير يقولون: إن الله تعالى كافأهنَّ بهذه التسمية؛ وليس ذلك بشيءٍ، ولا فيه كبيرُ معنًى، وإنما تُشعِر هذه التسميةُ بمعنًى دقيق، هو آيةٌ من آيات الإعجاز؛ فإنَّ الزوجةَ الكاملة لا تَكْمُل في الحياة ولا تَكْمُل الحياة بها إلا إذا كان وصفها مع رجلها كوصف الأم؛ ترى ابنها بالقلب ومعانيه، لا بالغريزة وحظوظها؛ فكلُّ حياة حينئذ ممكنةُ السعادةِ لهذه الزوجة، وكلُّ شقاءٍ محتملٌ بصبرٍ، وكلُّ جهادٍ فيه لذَّتهُ الطبيعية؛ إذ يقوم البيت على الحُبِّ الذي هو الحُبُّ الخالص لا المنفعة، وتكون زينة الحياة وجودَ الحيِّ نفسه لا وجودُ المادَّة، وتُبْنَى النفس على الوفاء الطبيعي كوفاء الأم، وذلك خُلُقٌ لا يَعْسُرُ عليه في سبيل حقيقته أن يتغلَّب على الدنيا وزينتها.
وآخِر ما نَستخْرِجُ منَ القِصَّة في درس النبوة هذه الحكمة: بحَسْبِ المؤمن إذا دخل داره أن يجد حقيقة نفسه الطيِّبة، وإن لم يجد حقيقة كسرى ولا قيصر.
[1] قريظة والنضير: هما قبيلتان وحيَّانِ من أحياء اليهود في المدينة.
[2] الخَوَل: الخَدَم والحَشَم.
[3] السَّراح: الطلاق، أما متعة الطلاق فهي الصَّداق المتأخَّر.
[4] غَوْرًا: عمقًا.
[5] الزَّيْغ: الانحراف عن الدين والكفر.