فهرس الكتاب

الصفحة 13032 من 19127

وربما يستدل لذلك بقصة الرجل الذي أتى النبي - صلّى الله عليه وسلّم - في مكة وقال:"يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي ركعتين في بيت المقدس، قال: (( صلِّ هاهنا ) )، فأعاد عليه مَرَّتَيْنِ أو ثلاثًا، فقال: شأنك" [49] ، فأذن له بالصلاة في مكة؛ لأنها أفضل، وإن كان ذهابه لبيت المقدس فيه نوع من المشقة والتعب، ولكن تَقَصُّد التعبِ في العبادة ليس بمشروع لقوله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147] ، لكن إذا كانت العبادة لا تأتي إلا بالتعب كانت أفضل، وهذه مسألة ينبغي للإنسان أن ينتبه لها، وهي هل تقصد التعب في العبادة أفضل أم الراحة؟

الجواب الراحة أفضل، لكن لو كانت العبادة لا تأتي إلا بالتعب والمشقة، كان القيام بها مع التعب والمشقة أعظم أجرًا؛ ولهذا قال النبي - صلّى الله عليه وسلّم - فيما يرفع الله به الدرجات ويكفر به الخطايا: (( إسباغ الوضوء على المكاره ) ) [50] ، ولكن لا نقول للإنسان إذا كان يمكنك أن تسخن الماء، فالأفضل أن تذهب إلى الماء البارد ولا تسخنه لا نقول هذا، ما دام الله يَسَّرَ عليك، فيَسِّرْ على نفسك.

قوله:"ولا يلزم في النفل"أي: لا يلزم الإتمام في النفل؛ ودليل ذلك: أن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - دخل على أهله ذات يوم فقال: (( هل عندكم شيء؟ ) )قالوا:"نعم، عندنا حيس"، قال: (( أرينيه - يقوله لعائشة - فلقد أصبحت صائمًا ) )، فأرته إياه فأكل" [51] ، وقال: (( إنما مثل الصوم، أو قال صوم النفل؛ كمثل الصدقة يخرجها الرجل من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء ردها ) ) [52] ، وهذا الصوم نفل، فقطعه النبي - صلّى الله عليه وسلّم - وأكل، فدَلّ هذا على أن النفل أمره واسع للإنسان أن يقطعه، ولكن العلماء يقولون:"لا ينبغي أن يقطعه إلا لغرض صحيح"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت