ولا يُفْطِرُ الصائمُ بِالْكُحْلِ والدواءِ في عينِه ولو وجد طعْمَه في حلْقِه لأنَّ ذلك ليس بأكْلٍ ولا شُربٍ ولا بمعناهُما، ولا يُفْطِر بِتَقْطير دواءٍ في أذُنِه أيْضًا، ولا بوضع دواءٍ في جرحٍ ولو وجد طعم الدواء في حَلْقِه لأنَّ ذلك ليس أكْلاً ولا شُربًا ولا بمعنى الأكْلِ والشُّرب. قال شيخ الإِسلام ابن تيميةَ في رسالةِ (حقيقةُ الصيام) : ونحْنُ نعلَمُ أنه ليس في الكتابِ والسُّنَّةِ ما يَدلُّ على الإِفْطارِ بهذه الأشَياءِ، فعَلِمْنَا أنَّها ليست مُفَطِّرةً، قال: فإنَّ الصيامَ من دينِ المسلمين الَّذِي يحتاج إلى معرفته الخاصُّ والعامُّ. فلَوْ كانتْ هذه الأمورُ مما حَرَّمه الله ورسولُه في الصيامِ ويفْسُدُ الصومُ بها لكانَ هذا مما يجبُ على الرسولِ - صلى الله عليه وسلّم - بَيانُهُ، ولو ذكر ذلك لَعَلِمَهُ الصحابة وبَلَّغُوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه. فلما لم ينقُلْ أحدٌ من أهْلِ العلمِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلّم - في ذلك لا حَديثًا صحيحًا ولا ضعِيفًا ولاَ مُسْندًا ولا مُرسَلاً عُلِم أنَّه لم يَذكُرْ شَيْئًا من ذلك، والحديث المَرويُّ في الكْحلِ يعني أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلّم - أمر بالإِثمد المُرَوَّح عندَ النَّوم وقال: (( ليتَّقهِ الصائِمُ ) )، ضعيفٌ؛ رواه أبو داود في السنن ولم يرْوهِ غيرُه. قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين هذا حديث منكر. وقال شيخ الإِسلام أيضًا. والأحكام التي تحتاجُ الأمَّةُ إلى معرفتها لا بُدَّ أن يُبيِّنها النبيُّ - صلى الله عليه وسلّم - بيانًا عامًا ولا بُدَّ أنْ تَنْقُلها الأمَّةُ. فإذا انْتَفَى هذا عُلِمَ أن هذا ليس مِنْ دِيْنهِ. انتهى كلامُه رحمه الله وهو كلامٌ رَصِينٌ مبنيٌ على براهينَ واضحةٍ وقواعد ثابتةٍ.