فسبه زياد، ورد عليه هدبة، وطال بينهما ذلك؛ حتى صاح بهما القوم، فسكتا، كل منهما على ما في نفسه، ولكن هدبة كان أشد حنَقاً على زياد، ورأى أنه قد غلبه وضامه، فقد تغزل في أخته فاطمة، وهي حاضرة سامعة، بينما تغزل هدبة في أم حازم، وهي غائبة لا تسمع غزله فيها.
ومن هذا اليوم صارت عداوة بين هدبة وزياد، ظهرت بوادرها في المعارضات الشعرية بينهما، ولم يشف هدبة ما قاله من الشعر، وتحيَّن الفرصةَ لقتل زياد حتى قتله، فأمسك سعيد بن العاص والي المدينة به، وأرسله الى معاوية بن أبي سفيان، فأقر أمامه بقل زياد، وحبس بالمدينة ثلاث سنوات، حتى يبلغ"المِسْوَر"ولد زياد الحلم، ويخير بين أخذ الدية أو القصاص.
وبعد أن بلغ الغلام أراد سعيد بن العاص بذل محاولة أخيرة مع عبد الرحمن أخي زياد بأن يقبل دية أخيه ويعفو عن هدبة، ولكن عبد الرحمن أصر على قتله، وقال للوالي: انه قال بيتاً من الشعر؛ لو لم يقله لقبلت الدية، أو صفحت بغير دية! والله، لو أردت شيئاً من ذلك؛ لمنعني قوله:
لَنَجْدَعَنَّ بأيدينا أنوفَكم ويذهَب القَتلُ فيما بينَنَا هَدْراً
فدفع الوالي بهدبه ليقتل، فبدت في عينه حسرة، وما ندم بشر على قول؛ كما ندم هدبة على قوله هذا البيت الذي قاده إلى الموت! والتفت هدبة الى قوم زياد وهو مقيد بالحديد قائلاً:
فإِن تَقْتُلُوني في الحَدِيدِ فإِنَّني قَتَلْتُ أَخاكُمْ مُطْلَقاً لم يُقيَّد
فقال عبد الرحمن: والله لا نقتله إلا مطلقاً من وثاقه، ثم قال:
قَدْ عَلِمَتْ نفسي وأنتَ تَعلَمُهْ لأَقْتُلَنَّ اليومَ مَنْ لا أَرْحَمُهْ
ودفع السيف الى"المسور بن زياد"فضرب هدبة ضربتين مات فيهما.
• كعب الأشقري: