وما تلبث أن تجد (فرصةً) لتفتح كتاب الله، وتقرأ فيه بعض آياتٍ، ثم تعود لإعداد الفطور؛ فلا نملك إلا أن ندعو الله أن يسقيها من سلسبيل الجنة ورحيقها، ويطعمها من ثمار الجنة، ويمتِّعها بنعيمها، والنفس التوَّاقة تتهيأ لاستغلال أغلى اللحظات، وبذل المجهود لنَيْل أعلى الدرجات، والذهاب بالأجور، وتأمل من ربها الجواد مغفرةً تطهِّرها، ورحمةً تزكِّيها، وعِتقًا من النار يُنْجِيها.
وأبواب الخيرات فيه مُشْرَعَةٌ؛ ليَلِجَ باغي الخير من أيِّ أبواب الجنة شاء حين تُفتّح لطالبيها، وتُصفَّد شياطين الضلالة؛ فلا تبلغ من الغِوَاية ما تريد؛ فيُقْصِر بُغاة الشرِّ، وتُغلَّق أبواب النيران عن هاربيها.
يا لها من فضائل، وأكرِم بها من خصائصٍ لا تفوت إلا على محروم، ولا يُعْرِضُ عنها إلا مذموم.
فلنحاسب أنفسنا، ولنستحثَّها إلى المعالي، ولننافس في الخيرات، ونسابق إلى الجنَّات، ونبادر إلى الصالحات، ولنسارع بتوبة نصوحًا نغسل بها حَوْباتنا، ونمحو بها زلاَّتنا، ونُصلِح بها أحوالنا.
فقد جاء جبريل - عليه السلام - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر، وقال له: (( رغم أنف من بلغه رمضان ثم خرج ولم يُغْفَر له، قل: آمين ) )؛ فقال - صلى الله عليه وسلم: (( آمين ) ).
فكم من إنسان سيُرغَم أنفه، ويندب حاله، وتذهب نفسه حسراتٍ، حين لا ينفع الندم، ويقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99-100] .
ومع ذلك كله؛ لا يزال في الناس أناسٌ هم (نوابٌ لإبليس) ، جعلوا من أنفسهم دعاةَ ضلالةٍ ورُسُل رذيلةٍ، جمعوا من الصفات أقبحها، ومن الأعمال أسوأها، وتمنوا على الله الأماني؛ فصاروا من الأخسرين أعمالاً، الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعًا، فيالسوء ما فعلوا، ويالقبح ما اجترحوا.
فلنحذر أن نكون منهم، ولنحذر من زيف باطلهم.