فهرس الكتاب

الصفحة 13208 من 19127

وكان أبو فهر العالم الموسوعي الذي نُشرت أمامه العربية كلُّها فراح يعُبُّ منها ويرفدنا بسيل من المعارف، ففي آثاره ما شئت من فقه باللغة، وبصرٍ بالعربية، وتذوّق للشعر، ومعرفة بالتفسير، ودراية بالحديث، ورواية للأخبار، وتتبُّع للآثار، وحفظ للشواهد، وتمثّل للتاريخ، وتحليل لوقائعه تحليلاً لا يرقى إليه نوابغ المختصين فيه. وإلى هذا كله ذهن لمّاح، وبصر حديد نافذ. وحسن مواتاة أوفى فيه على الغاية، وصار مضرب المثل.

ولا غرو فعلم الأمة عنده كلّ متكامل لا يستغني بعضه عن بعض، ولا يغني فن عن فن.

وكثيراً ما كان يُسأل عن مسائل أعيت أصحابها بحثاً عنها في المظانّ وتنقيراً في المصادر والمراجع فيستخرجها من غير مظانِّها.

تحسّس دبيب المكر الخفي:

والأستاذ شاكر - فوق ذلك كلّه وقبل ذلك كله - قلب نابض بحبِّ أمته وتحقيق آمالها، وعقل واعٍ لتاريخها وثقافتها، وعينٌ راصدة لعالمها المتراحب، وحارس أمين يحرسُها من كلِّ خطر دقّ أو جلَّ، ومن كل عدو تخفّى أو تبدّى.

يقول في مقدمة تحقيقه لدلائل الإعجاز: (( وأسأله أن يُعينني على ما أقحم نفسي فيه من عمل أريد به وجهه سبحانه، ثم ما أضمره من خدمة هذه اللغة الشريفة النبيلة التي شرّفها الله وكرّمها بتنزيل كتابه بلسان عربي مبين ) ) [8] .

ونذر نفسه لفضح ما دُسّ من دسائس، وما حيك من مؤامرات، وما دُبّر من مكر ضدّ هذه الأمة وتاريخها ورجالاتها ودينها ولغتها.

وكان شعاره في ذلك قول رسول الله:

(( ألا لا يمنعنَّ رجلاً هيبة الناس أن يقول بحقٍّ إذا علمه ) ) [9] .

هاهو ذا يصف تحسُّسه لدبيب المكر الخفي يتسرّب من وراء سطور قرأها: (( ولكني كنت امرأ نهماً يأخذه للكلام المكتوب سُعار، فتناولت الصحيفة وبدأت أقرأ سطراً بعد سطر، وكان الضحك يشقُّ عن حلقي، ويباعد بين فكي.. حتى فوجئت بشيء أمسك عليَّ ضحكي، وكظمه في بلعومي، شيء سمعت حسّ دبيبه من تحت الألفاظ، فجعلت أستسمِعُه فإذا هو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت