وقد اشتهرت المجانيق العربية التي كانت ترمي الحصون، وبغزارة عالية، بالحجارة أو الحديد أو النفط المشتعل، ويروي (( ابن الأثير ) )كيف صنع الصليبيون ثلاثة أبراج خشبية عالية جداً، وغطوها بالجلود والخل والطين والمواد التي تمنع النار من إحراقها، وأصلحوا الطرق لها، ودفعوها إلى عكا لحصارها في العام 1190م، مما اضطر أهالي عكا إلى الاستنجاد بأحد العلماء الدمشقيين الذي كان يسكن وقتها فيها، وكان قد اخترع مادة حارقة لا تنطفئ، وقد تم بفضل التطوير العلمي، الذي قدمه هذا العالم، التخلص من ازعاج الأبراج الثلاثة وإحراقها بعدما كانت قد بدأت بتهديد عكا بالسقوط [17] .
وعلى صعيد آخر، فلقد كان الترتيب القتالي الذي استعمله صلاح الدين الأيوبي، ومعاصروه من القادة المسلمين، يعتمد على التنظيم الكلاسيكي العربي القديم، بشكل أساسي، أي قلب وجناحين، وميمنة وميسرة، وجالشية (نبالة) وساقة [18] . ولكن الفارق الجديد كان في قيام مجموعة القلب بمناورة تقدّم ثم تقهقر، لاستدراج العدو إلى الطوق الذي سرعان ما يتشكل ويتم الإطباق. هذا بالإضافة إلى تشكيلات وترتيبات قتالية أخرى عرفها العرب في زمن صلاح الدين، وكانت تشبه الأشكال الهندسية المختلفة، كالمستطيل، والزاوية الحادة والمعيّن والدائرة [19] .
أما سرعة الاتصالات لنقل الأخبار والتعليمات القيادية والمعلومات الاستطلاعية، فكان يؤمنها الحمام الزاجل الذي اهتم صلاح الدين، ومن قبله نور الدين، باستخدامه.
وهكذا فرضت طبيعة المرحلة التاريخية والسياسية والاجتماعية، على المجتمع العربي في زمن صلاح الدين الأيوبي، اتباع استراتيجية مناهضة للاحتلال الصليبي، وَحْدويَّة الإطار الداخلي، وإصلاحية على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، كما فرضت على القوات المسلحة العربية اتباع فن عمليات وتكتيك قتالي مميزين، مما يشكل استجابة ضرورية لاحتياجات المرحلة العسكرية.
ـــــــــــــــــــــ