لكي يصل الإنسان إلى طريق السعادة، بعد أن أدرك حقائق الوجود الكبرى، عليه أن يتطلع إلى الكشف عن الطريقة السليمة للتعامل مع المحاور الرئيسة لهذا الوجود، وهي: الله - جل وعلا - الإنسان، والكون [3] . ونبدأ بالموجود الأول الذي تخضع له كل الموجودات؛ فبعد أن يتعرف الإنسان إلى الله - سبحانه - من خلال ما ورد عنه في كتابه الكريم وفي سنة رسوله الخاتم - صلى الله عليه وسلم - أو من خلال الأدلة البرهانية التي أبدعها علماء الكلام بطريق المنطق والفلسفة، فإنه سيستنتج بالبداهة حقيقة الوجود الأولى، وهي أن السعادة في الدارين منوطة برضاه - تعالى - والامتثال لأوامره والوقوف عند حدوده.
أما المحور الثاني وهو الإنسان، فلعله من أكثر الألغاز استغلاقاً على العقول منذ القدم، ولا يقتصر ذلك على مرحلة ما بعد سقراط الذي صرف الفلاسفة عن البحث في الكون إلى البحث في الإنسان، بل إن البحث في الكون نفسه لم يكن عند القدماء الذي لم يصل إليهم نور الوحي إلا إسقاطاً لطبيعة الإنسان على ما حوله من ظواهر الوجود، بدءاً من التصور الحيوي للطبيعة - وكأنها مخلوق عاقل - ووصولاً إلى أنْسَنَة الآلهة المتعددة. أما القرآن الكريم فقد وضع للإنسان منهجاً متكاملاً ليتبصر ذاتَه عبر إدراكه للحقيقتين التاليتين:
1 -أنه مخلوق تافه، أصله من تراب وماء مهين، ومصيره إلى جثة هامدة، وهو فيما بينهما يحمل النجاسة في جوفه، ويستقذر كل ما يخرج من بدنه. يقول الله - تعالى - {قُتِلَ الإِنْسِانُ مِا أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ. مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 17- 21] .