فهرس الكتاب

الصفحة 13700 من 19127

أجل.. راهب الليل فارس النهار، بل راهب الليل والنهار، وفارسهما معًا!

وما إن ذاق حلاوة الاستغراق في العبادة حتى همّ بتقطيع كل الأسباب التي تربط الناس بمناعم الحياة.

دخل المسجدَ يومًا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه جلوس، وكان يرتدي لباسًا تمزق، فرقّعه بقطعة من فروة، فرق له قلبُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودمعت عيون أصحابه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (( كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى، وتوضع في قصعة، وترفع أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟! ) )

قال الأصحاب: وددنا أن يكون ذلك يا رسول الله، فنصيب الرخاء والعيش.

فأجابهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائلا: (( إنَّ ذلك لكائنٌ، وأنتم اليومَ خيرٌ منكم يومئذ ) ).

وكان بديهيًّا - وابن مظعون يسمع هذا - أن يزداد إقبالاً على الشظف وهربًا من النعيم.

وأحبّه الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - حبّا عظيما.

وحين كانتْ رُوحه الطاهرة تتهيَّأُ لِلرَّحيل ليكونَ صاحِبُها أوَّلَ المُهَاجِرِينَ وَفاةً بالمدينة، وأوَّلَهُمْ ارْتِيَادًا لِطَرِيق الجنَّة، كان الرسول - عليه الصلاة والسلام - هناك إلى جواره.

ولقد أكبّ على جبينه يقبله، ويعطّره بدموعه. وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - يودّع صاحبه الحبيب: (( رحمك الله يا أبا السائبِ.. خرجتَ من الدنيا وما أصبتَ منها، ولا أصابتْ منك ) ).

ولم ينس الرسول الودود صاحبَه بعد موته، بل كان دائمَ الذِّكر له، والثناء عليه.

حتى لقد كانتْ كلمات وداعه - عليه السلام - لابنته رقيّة، حين فاضت روحها: (( الحقي بسلفنا الخير، عثمان بن مظعون ) ).

بتصرف واختصار من كتاب"رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم"

تأليف الأستاذ: خالد محمد خالد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت