فالحجاج يقدمون من كل فج، ويتحملون كثرة النفقات، ومشقة السفر، وشدة الزحام والانتظار في المطارات؛ لأداء مناسكهم، وتعظيم شعائر الله تعالى، وذكره في الأيام المعلومات، وهؤلاء على العكس من ذلك، يتحملون مشقة الرحلة، وعَنَتَ السفر ونفقاته فيما يشغلهم عن عمارة هذه الأيام بذكر الله تعالى وعبادته، وحري بكثير منهم -ولو احتاطوا- أن يقعوا في الوزر، ولا يسلموا من الإثم هم ورفقتهم من أهلٍ وولد في أيام عظمها الله تعالى، وفضل العمل الصالح فيها، فأي حرمان ينتظر هؤلاء! وأي خسارة يخسرونها في هذا الموسم المعظم؟!
ألا فاتقوا الله ربكم، واستعدوا لما تستقبلونه من عشركم، بالعمل الصالح الذي تجدونه ذخرا لكم؛ فإن مشقة العمل الصالح تزول ويبقى الأجر، وإن لذة المعاصي تزول ويبقى الوزر. وإن من الخسران أن تكون هذه العشر المباركة عند الناس كغيرها من الأيام، فلا يعظمونها كما عظمها الله تعالى، ولا يخصونها بمزيد عمل واجتهاد، فكيف إذا قضوها في الرحلات والأسفار والترويح والغفلة عن ذكر الله تعالى؟!
عباد الله: أكثروا في هذه العشر المباركة من ذكر الله تعالى فقد وصاكم نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم بذلك؛ كما في حديث ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ الله وَلاَ أَحَبُّ إليه الْعَمَلُ فِيهِنَّ من هذه الأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ والتحميد) رواه أحمد.
(وكان ابنُ عُمَرَ وأبو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إلى السُّوقِ في أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ الناس بِتَكْبِيرِهِمَا) رواه البخاري معلقا.