الخامس: التوبة، وهي واجبة في جميع الزمان، متأكدة في هذه العشر المباركة، {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] ، وإذا اجتمع للمسلم توبة نصوح مع أعمال صالحة في زمان فاضل، فذاك عنوان الفلاح، {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [القصص: 67] .
الخطبة الثانية
أيها المؤمنون، ومما يستحب في هذه العشر الأضحية، ومن أراد أن يضحي فلا يمس من شعره وبشرته شيئًا، روى مسلم عن أم سلمة - رضي الله عنها - قال - صلى الله عليه وسلم: (( إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي ) ). والأمر للوجوب، والحكم متعلق بالمضحي، سواء وكَّل غيره أم لا، والوكيل لا يتعلق به نهي. والحكم أيضا خاص بصاحب الأضحية، ولا يعمُّ الزوجة والأولاد؛ لأن النبي كان يضحي عن آل محمد، ولم ينقل أنه نهاهم عن الأخذ.
والحكمة من النهي عن ذلك - كما قال ابن القيم - توفير الشعر والظفر ليأخذه مع الأضحية، فيكون ذلك من تمام الأضحية عند الله وكمالِ التعبد بها. وقد شهد لذلك أيضًا أنه شرع لهم إذا ذبحوا عن الغلام عقيقته أن يحلقوا رأسه، فدل على أن حلق رأسه مع الذبح أفضل وأولى.
ومَن أخذ مِن شعره أو ظفره أول العشر، لعدم إرادته الأضحية، ثم أرادها في أثنائها أمسك من حين الإرادة، وإن حلق أو قلم أظافره ناسيًا فلا شيء عليه؛ لأن الله تجاوز عن الناسي، ولو تعمد إنسان وأخذ؛ فعليه أن يستغفر الله ولا فدية عليه، ولا حرج في غَسل الرأس للرجل والمرأة أيام العشر؛ لأن النبي إنما نهى عن الأخذ.