فالخشية: هي التي تحول بين العبد وبين معصية الله، وتدعوه إلى طاعته والسعي في مرضاته. قال الحسن البصري - رحمه الله:"العالم؛ من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغَّب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا قول الله - تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ} "؛ [فاطر: 28] .
وهذا هو العلْم الحقيقي الذي ينفع صاحبه؛ فإن العلم ليس عن كثرة المعرفة والحفظ، ولكن العلم عن كثرة الخشية، فهو نور يجعله الله في القلب، ولقد أحسن من قال:
لا تَحْسَبَنَّ العِلْمَ يَنْفَعُ وَحْدَهُ ما لَمْ يُتَوَّجْ رَبُّهُ بِخَلاقِ
فالعلم بغير ورع ولا طاعة كالسراج يضيء البيت بنوره، ويحرق نفسه. وماذا يفيد العلم جُمَّاعَ القول المصرين على معاصيهم وأخطائهم، الذين يستمعون القول ولا يتبعون أحسنه.
روى عبد الله بن وهب عن سفيان:"أن الخضِر قال لموسى - عليهما السلام: يا ابن عمران، تعلم العلم؛ لتعمل به، ولا تتعلمه؛ لتحدث به، فيكون عليك بُوره، ولغيرك نوره".
وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه:"أخوف ما أخاف إذا وقفت بين يدي الله أن يقول: قد علمت فماذا عملت".
وفي منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به. فثمرة العلم أن يُعمَل به؛ لأن العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. وخير العلم ما نفع، وخير القول ما ردع، ومن تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقلاله، فمن استعمل علمه لم يخل من رشاد، ومن استقل عمله لم يقصر عن مراد.
وإن القلب ليعتصره الألم اعتصاراً حينما يرى بعض من طرقوا أبواب العلم الشرعي فلم يرفعوا بذلك رأساً، تعلموا من العلوم والأحكام الكثير، ولكن الأثر مفقود.