فهرس الكتاب

الصفحة 1530 من 19127

ومن المسلََّم به أن الصحابة لم يكونوا في المحفوظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في الفهم سواء، كما أن الأمصار المفتوحة لم تكون متفقة عاداتها - ولا أعرافها ولا نظمها الاجتماعية والاقتصادية ولا طرقها في العيش والتعامل. فإذا انضاف إلى هذه الاعتبارات بعد الشقة بين عاصمة الخلافة والبلدان المفتحة وصعوبة المواصلات والاتصالات بين علماء الصحابة في شتى هذه المدن والأمصار ليستفيد بعضهم من بعض. فإنه من السهل أن تدرك أن ذلك سينتج عنه اختلاف الاجتهادات والفتاوى الفقهية في المسألة الواحدة بين المسائل الكثيرة. وأن كل أهل قُطْرٍ سيتمسكون بفتاوى علمائهم وأحاديثهم ويعولون على ما جرى عليه عملهم وحكم به قضاتهم لمبلغ ثقتهم بهم وخبرتهم بأحوالهم وسيرتهم فكان للمصريين فتاوى، وللشاميين أخرى، ولليمنيين وسائر المدن غيرها وكان بعد ذلك أن شعر التابعون بأن في الأمصار الأخرى علمًا غير علمهم فأكثروا من الرحلة وعملوا على توثيق الروابط العلمية بين الأمصار فكان لذلك أثر لا ينكر في تقليل وجود الخلاف [48] .

السبب الثالث: ظهور الوضع في الحديث.

وهذا السبب كان له الأثر السيء في عرقلة تقدم الاجتهاد الففهي وفي صعوبة مهمة الفقيه.

فلقد كان للإسلام أعداؤه المتربصون بأهله - الدوائر من اليهود وغيرهم - ممن تغلب عليهم المسلمون بقوة الإسلام وسلطانه وربما ساعدهم على هذا الوهم كون المسلمين يعتمدون على حفظهم في الصدور ما يروونه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سنته القولية، أو الفعلية، أو التقريرية، طيلة بعثته في الثلاث والعشرين سنة؛ فما عليهم إلا أن يختلفوا من الأقاويل التي تخدم مآربهم ما ينسبونه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - حديثًا طمعًا في استرداد ما ضاع منهم من مجد وجاه ودولة. عن طريق تحذير المسلمين بما يضعونه من أحاديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت