فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ثم أخذ يشرح الموقف والعرض الأكبر، ويصف الجنة والنار وقد سلَّم هذا الرجل قلبه لهذا الداعية، ووصل صوته إلى قلبه قبل أن يصل إلى أذنيه؛ لأن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب. قال: فأُسر قلبي بين يديه: {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4] . قال: وانتقلت من البلدة بروحي، فما أدري ما أنا، وأصابني من الإعياء ومن البكاء ومن الإغماء ما الله به عليم، حتى ما استطعت أن أتحامل على رجلَيَّ، فجلست على الأرض، قال: وكان صوته ينفذ إلى القلب مباشرة، وهو يتحدَّث عن الحشر، وأحوال الناس فيه، والصحف وتطايرها، فآخذٌ بيمينه، وآخذٌ بشماله. اللهم سلِّم سلِّم.
قال: وأخذتُ في البكاء إلى قبيل المغرب حتى سلَّمت نوبتي لزميلي، وذهل الناس منِّي واجتمعوا عليَّ، قالوا: ما لك؟ قلت: لا شيء، أتوب إلى الله، أستغفر الله، أعود إلى الله، اللهم اغفر لي اللهم ارحمني.
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] .
وهكذا يفعل الداعية المخلص في القلوب، وهكذا يفتح مدناً من القلوب بالكلمات، لا تفتحها الجيوش المجيشة، ولا الجنود المجندة، وقام هذا الرجل، وذهب فاغتسل من الجنابة، التي مكثت عليه أشهراً طويلة، وغيَّر ملابسه؛ لأنه قد تغيَّر قلبه، وقام يستغفر ويتوب ودموعه تتسابق مع قطر ماء الوضوء.
إِذَا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ فِي خُدُودٍ تَبيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى