وإذا فشت السخرية في الناس تنابزوا بالألقاب، وعيَّر بعضهم بعضا، فتنافرت قلوبهم، وانحلت روابطهم، فتعادوا وتهاجروا، وتدابروا وتباغضوا، ولم يكونوا عباد الله إخوانا؛ ولذا نهاهم الله تعالى عن التنابز بالألقاب، والتنادي بالعيوب والمعاير {وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} [الحجرات:11] قال أبو جبيرة بن الضحاك رضي الله عنه: (فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة {وَلَا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ} [الحجرات:11] قال: قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا فلان، فيقولون: مه يا رسول الله، إنه يغضب من هذا الاسم فأنزلت هذه الآية ) رواه أبو داود.
ولما عير أبو ذر رضي الله عنه رجلا بأمه غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال له (يا أبا ذر أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية) رواه البخاري.
ولما عابت عائشة صفية رضي الله عنهما غضب النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وبين لها عظيم ما فعلت؛ كما روت عائشة رضي الله عنها فقالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: (حسبك من صفية كذا وكذا -تعني قصيرة- فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، قالت عائشة رضي الله عنها: وحكيتُ له إنسانا فقال: ما أحب أني حكيتُ إنسانا وأن لي كذا وكذا) رواه أبو داود.
والسخرية سبب للعداوة والخصومات، وقد ينتج عنها سباب واعتداء بالقول والفعل والمقاتلة؛ لأن الساخر قد يتمادى في سخريته، فلا يحتمل أخوه منه سخريته، فينتصر لنفسه بالقول أو بالفعل. وكم من خصومات ومشاجرات أضرت بأصحابها ولربما كان فيها قاتل ومقتول كانت شرارتها الأولى استهزاء أحد الخصمين بالآخر، نفخ الشيطان في نارها حتى آلت بأصحابها إلى المقاتلة!!