ثم أتمَّ الله النعمة على عباده فجعل دينه كاملاً، لا يعتريه نقصٌ ولا يقبل زيادةً أو استدراكاً، فقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِِسْلاَمَ دِينًا} ، سهلاً سمحاً يسيراً، لا عُسر فيه ولا حَرَج، قال الحسن البصري رحمه الله: (النعيم هو تخفيف الشرائع وتيسير القرآن) ، والرب جل وعلا يقول: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ...} الآية، ويقول: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
* فهل أدَّى المسلمونَ شكرَ هذا النعيم الدينيِّ العظيم؟
لا والله، إلا قليلاً ممن رحم الله، فقد قابل الكثيرون نعمةَ القرآن بالهجران، فلم يتدبَّروا آياته، ولم يتخذوه منهجَ عملٍ يُحلُّون حلاله ويحرِّمون حرامه ويقفون عند حدوده، ولم يكتفوا به مَصدراً في التلقِّي...
وقابلوا نعمةَ حفظ الذِّكر بالاختلاف والافتراق، حتى كان اختلافُهم أكثرَ من اختلاف الأمم السابقة التي وَكَلَ اللهُ أمرَ حِفظ كتبها إليها...
وقابلوا نعمةَ كمال الدِّين بالابتداع والاختراع، ولسانُ حالهم يقول: الدِّين الذي مات عنه محمَّد وبلَّغَناه لا تحصل به الكفاية، ولا تُدرك به الغاية، بل لابدَّ من إضافات وزياداتٍ تواضعت عليها عقولهم واستحسنتها قلوبهم وأذواقهم...