فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن المؤسف حقًّا ألا يقتصرَ أمرُ التنافُر والتباعُد وضيق العَطَن على المذاهب والطوائف والفئات، وإنما يعدوهم ليفرِّق بين المرء وأخيه، والصديق وصديقه، والحِبِّ وحبيبه، ولو رحنا نبحث عن علَّة ذلك كلِّه
لوجدناها تكمُن في سوء الظنِّ وعدم التماس العُذر:
إذا ساءَ فعلُ المَرءِ ساءت ظُنونُه وصَدَّقَ ما يعتادُه من توَهُّمِ
وعادى مُحبِّيهِ بقَول عُداتِه وأصبحَ في لَيلٍ منَ الشكِّ مُظلِمِ
والحق أن الخاسرَ الأكبر بين الأصدقاء والإخوان هو ذاكَ الذي لا يأخذُ نفسه بالتماس العُذر لأصدقائه وإخوانه وحسن الظنِّ بهم؛ لأنه لا يَلبثُ حتى يفقدَهم جميعاً، ويبقى وحيداً فريداً لا صديقَ له ولا صاحبَ يحتملُه وِفاقَ ما قال بشار بن برد:
إذا كنتَ في كلِّ الأُمورِ مُعاتِباً صَديقَكَ لم تلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه
فعِشْ واحِداً أو صِلْ أَخاكَ فإنَّهُ مُقارِفُ ذَنبٍ مَرَّةً و مُجانِبُه
إذا أنتَ لم تَشرَب مِراراً على القَذى ظَمِئتَ وأيُّ الناسِ تَصفو مَشارِبُه
ومَن ذا الَّذي تُرضى سَجاياهُ كُلُّها كَفى المرءُ نبلاً أن تُعدَّ مَعايبُه
ولاريبَ أن أبعد الناس عن الأخوَّة والصداقة والمحبَّة والأُلفَة هو ذاك الذي تأتيه مُعتذراً فلا يقبلُ لك عُذراً، وتُقبِل عليه فيُدبِر عنك، وتتلَطَّف له فيُغلِظ لك الكلام، وتصيرُ إلى ما قال الإمام الشافعيُّ:
ومِنَ البَليَّةِ أن تُحِبَّ ولا يُحِبَّكَ مَن تُحبُّهْ
ويَصُدُّ عنكَ بوَجهِهِ وتُلِحُّ أنتَ فلا تُغِبَّهْ
إن مَن اعتذر إليك محبٌّ لك سواءٌ صدق في اعتذاره أو كذب:
اقبَل مَعاذِيرَ مَن يأتيكَ مُعتَذِرا إن بَرَّ عِندَكَ فيما قال أو فَجَرا
لقَد أطاعَكَ مَن يُرضيكَ ظاهِرُهُ وقد أَعزَّكَ مَن يَعصيكَ مُستَتِرا
أيها المسلمُ وسِّع من صدرك، وحسِّن من خلقك، مُؤتَسياً بخير الخلق في سيرتك، و ليكُن شعارك دائماً عندما تجد في صديقك ما لا يَروق لك: لعلَّ له عُذراً وأنتَ تلومُ.