وبرغم وضوح الفكرة السابقة وسهولة قَبول العقل لها - حتى إن بعض الناس قد يقول: إن هذا الكلامَ لا معنى تحته؛ لأنه من البدهيات - فإن الواقع يقول: إن كثيراً من أهل العلم - فضلاً عن طلبة العلم - بعيدون كل البعد عن هذا الكلام.
فأنت إذا تأملت في كلام أهل العلم وجدت خطأً كثيراً في الفهم، والدليلُ على ذلك أنهم في كثير من الأمور يختلفون في الفهم، مع اتفاقهم على أن الفهمَ الصحيح واحد، فدل على أن باقي الفهوم خطأ، فكأنهم اتفقوا على أن أكثرَ فهومهم خطأ.
ولكي تعرف أن كثيراً ممن يدرسون علوم العربية على تنوعها بعيدون عن هذا الأمر، تأمل تاريخ الأمة وعلماءها، تجد الخطأ في الفهم في الصدر الأول قليلاً، ثم يزدادُ شيئاً في عصور التابعين وتابعيهم، لا سيما ممن دخلوا الإسلام من الأعاجم، ثم يزدادُ كثيراً بعد دخول علوم اليونان وتقديمها على علوم الإسلام، ثم يزداد كثيراً جداً في عصور المتأخرين حتى تحسب أنك في غربة عن الفهم، وتبحث عن العاقل فلا تكاد تجد!
مرِضْتُ منَ الحمقى فلم أُدرِكِ المُنى تَمَنَّيْتُ أن أُشفى برُؤيةِ عاقلِ
وتجد الخطأ ممن لم يدرس علومَ العربية، وهذا واضح، ولكنك إذا وجدتَ الخطأ ممن درس علوم العربية فاعلم أنه لم يدرسها على الوجه الصحيح الذي قدَّمنا ذكره، وإنما كان قُصارى أمره طُروس يسطِّرها، ورسوم يحصلها، كما قيل:
زواملُ للأشعارِ لا علمَ عندَهُم بِجَيِّدِها إلا كعِلمِ الأباعرِ
لعَمرُكَ ما يَدري البعيرُ إذا غَدا بأَوساقِه أو راحَ ما في الغَرائرِ
وقد يكون طَلَبَها على وجهها في الظاهر، ولكنه لم يُخلص النيةَ ولم يقصد طلبَ الحق، فعاقبه الله بأن حَرَمَه الفهم، كما قال تعالى: {واتَّقوا الله ويُعلِّمكُم الله} [البقرة: 282] ، فاحذر أن تكونَ سيِّئ النية في طلب العلم، فيعاقبك الله بمثل هذه العقوبات، فهي مهلكة.