فهرس الكتاب

الصفحة 16242 من 19127

وكأني بطير السنبر قد فهم أشجان الرمال، فقد كانت هذه الطيرُ تحط على عروش بيوتنا، وعلى أشجار السَّيَال الباسقة من حولنا، مع تباشير الخريف، فتبني وُكُناتِها، فلما انتبهت على رمزية الشجن في حركة الرمال نظرت فلم تجد من الشجر إلا القصير الهزيل، مما هو في متناول أيادي الصغار، فأصغت علَّها تسمع أصوات الكبار من الآباء والأجداد الذين كانوا يجيرونها من عبث الصبية، فلما لم تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا، ولَّت ولسانُ حالها يقول:

هل بالطلول لنازل ترحيب أم هل لسائلها الغداة مجيبُ

لعبت بها هُوجُ الرياح تحثها وطفاء من غرر السحاب تصوبُ

وعفت معالِمَها الخطوبُ فما بها بعد الحبائب منزل محبوبُ

أما نحن فقد خلفناهم، وصرنا آباء وأجدادًا، ولم تعد لنا القدرةُ على الأمر والنهي، بل حتى على زجر الصغار، فنعوذ بالله أن ينطبق علينا قول حسان رضي الله عنه:

لا بأس بالقوم من طُول ومن عِظَم جسمُ البغال وأحلامُ العصافيرِ

لقد غادر الطيرُ الديار، وتجلت لوحة الرحيل، فلعلنا نراها في حركة الرمال، وفي تغير ملامح الجمال، وفي تصدع الجبال، وفي تبدل أحلام الرجال!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت