إني أومِن بالحرية، وأومِن بقُدرة الرجل على الإتيان بالمعجزة حين تَتمُّ فيه آيةُ الحرية؛ فلذلك لا يسعني حين أبدأ هذا العمل إلاَّ أن أقول بملء نَفَسي لمن يسمع:"من ها هنا ابدأْ"، من ها هنا ابدأْ، لا لنفسي، ولكن للناس. إن هذه كلمةٌ شاملةٌ لا يكون تفصيلها إلا عملًا في كلِّ موضعِ عملٍ.
إنَّ العمل الصَّحافيَّ لَيقتَضِيني أشياءَ كنتُ بمَنْجاةٍ منها، وكان أحبَّ إليَّ أن أفرغ لما كنتُ فيه من عمل، ولكنِّي أشدُّ حبًّا لهذا التراث العربي الإسلامي العظيم من أن أَدَعَهُ في يد مَنْ لا يقوم عليه كقيامي عليه.
إنَّ هذا التراث الإسلامي ليس وحدَهُ ما خلَّف آبائي من دِين وعلم وأدب وآثار؛ بل إن أعظم التُّراث وخيره وأروعه هو هذه النفوس التي انحدرت معنا إلى هذا العصر من أجيال القُوَّة الحرَّة المستحصدة [5] العادلة، إن هذه النفوس التي نحيا بها هي التي تطالبنا - من تحت الأدران التي غَشِيَتْها - بالعمل من أجلها وفي سبيلها لإنقاذها من التعفُّن والبِلى، ثمَّ لردِّها إلى حياة هذا العصر؛ لتُثبت أنها لا تزال نفوسًا يجب أن توصَف بالحياة.
هذه فِلَسْطِينُ الصغيرة المجاهدة المظلومة التي تحيط بها الأفاعي الذهبيةُ من كنوز اليهود تُثبت للعالم كلِّه أنَّ (الرَّجل) في العربيِّ لم يَمُتْ بعدُ، وأنَّه حين يستيقظ في داخله تستيقظ معه كلُّ الفضائل والأخلاق والتقاليد العربية التي تتوهَّج تحت شمس البادية المقفِرة... تتوهَّج كالذهب حيث يفقد الذهب قيمتَهُ المدنيَّة، هذا العربيُّ حين يحارب، ولكن أين العربيُّ العالِم العامِل المخلِص الدؤوب الذي لا يفتر؟!
إنَّني وأصحابي ممَّن أكرموني بصحبتهم، ومَنْ يكرمني بعدُ بصداقته، سوف نَرصُد قوانا كلَّها لإيقاظ الفكر العربي والإسلامي في مصر والحجاز والشام والعراق والمغرب وسائر بلاد العربية والإسلام.