ومن هنا يمكن القول: إن الأزمة الحقيقية التي يعاني منها المسلمون، على معظم الصعد الحضارية، وعلى صُعُد رد العدوان، وتحرير المقدسات... هي أزمة إرادات لا أزمة قدرات، لكن الناس يستحيون من القول: إننا لا نريد أن نقرأ، أو لا نريد طرد العدو من أرضنا، فيلجؤون إلى الزعم بعدم امتلاك القدرة، وهم يفعلون ذلك لأنهم يعرفون أن القول بأنهم لا يريدون فعل كذا.. يشكِّل نوعًا من الإدانة لهم، ويعبر عن سوء الوجهة والمقصد، أما القول بأنهم لا يقدرون؛ فإنه مقبول، لأنه ينطوي على احتمال العجز واحتمال تدخل عوامل خارجية غير داخلة تحت السيطرة، وهذا ما فعله المنافقون حين تخلَّفوا عن غزوة تبوك، فقد اعتذروا بعدم الاستطاعة، كما أخبر الله عنهم حين قال: {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [1] . ثم أخبر - عز وجل - أن المشكلة ليست مشكلة قدرة، وإنما مشكلة إرادة: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأََْعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [2] .
إن من رحمة الله - تعالى - أن قدرة الناس على تنمية إراداتهم وتقويتها أعظم بكثير من قدرتهم على تنمية الإمكانات والطاقات التي لديهم ،وأعظم من قدرتهم على تحسين بيئاتهم وظروفهم، ولكن من الواضح أيضًا أن تقوية الإرادة قد يعني خوض نوع من الحرب الداخلية، حيث يجد المرء نفسه مطالبًا بالوقوف ضد المغريات، والشهوات، وضد بعض طباعه وعاداته الرديئة، وهذا ليس بالسهل، إلا إذا سهَّله الله - تعالى - ولابد من الإشارة هنا إلى أن كل مجتمع يحدد لأفراده السويَّة المطلوبة من صلابة الإرادة حتى يكونوا لائقين اجتماعيًا، والمجتمع يفعل ذلك بدافع من عقائده، وعلى هدي أولوياته واهتماماته.