اللَّيْلُ لَيْلٌ وَالنَّهَارُ نَهَارُ وَالأَرْضُ فِيهَا المَاءُ وَالأَشْجَارُ
فلماذا تنقلب العصا إلى حية تسعى؟! ففر موسى خائفاً، وتصور موسى وهو يفر خائفاً من رب العالمين، فيطمئنه ربه، ويهدئه {قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} [طه: 21] فعاد فأخذها، فإذا هي عصا.
موسى - عليه السلام - فر خائفاً من عصاه، ومع ذلك أرسله الله - عزَّ وجلَّ - إلى ذاك الطاغية المجرم، الدكتاتوري السفاك، الذي كان يلقي المحاضرات، على العملاء الأغبياء البلداء، ويقول لهم: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] ، فيصفقون له، ويقول لهم: { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي} [الزخرف: 51] ، فيهزون رؤوسهم طرباً، ويسجدون له تذللاً.
قال بعض المفسرين: كان على قصر فرعون، ستة وثلاثون ألفاً من الحرس، كل واحد منهم يرى أن فرعون إلهه، وخالقه، ورازقه ومحييه، ومميته والعياذ بالله.
ثم قال الله لموسى: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [طه: 22] .
فهذه آية أخرى من آيات الله - عزَّ وجلَّ - أدخل يدك يا موسى في إبطك، ثم أخرجها، تخرج بيضاء من غير برص ولا بهق {آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} [طه: 22-23] .
ثم بدأ التكليف بالدعوة، بدأت الرحلة الشقة المضنية، {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه: 24] ، وتَصَوَّرْ موسى - عليه السلام - وهو يستمع إلى هذا الأمر الإلهي، لقد فرّ موسى من فرعون؛ لأنه تمرد عليه، وقتل شخصاً من رعيته، وقد حكم عليه فرعون بالإعدام غيابيّاً، ثم يأتي الأمر الإلهي: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه: 24] .