إن الله -سبحانه- أباح الطيبات، فما ينبغي لأحد أن يحرمها على نفسه، أو يحمل غيره على تحريمها، أو ينتقص ممن تناولها بلا وكس ولا شطط، والله أبصرُ من هذا المتنطع بما يُصلح حياةَ الإنسان ويسعده، ولو علم في الطيبات أذى، لوقاه منها، ولنهاه عنها.
إن حب الشهوات والميل إليها فطرةٌ جُبل عليها الإنسانُ، وهي تقوم بحفظ الحياة وإنمائها، فكيف تذم وتهجر؟ {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] . فالإسلام لا يعرف الكبت؛ لأنه يعترف بالشهوات والغرائز والنوازع الفطرية عموماً، ولا يستقذرها، ولا يقوم نظامُه على قهرها وإلغائها، ولكنه ينظمها ويضبطها، وينبه الإنسانَ على استعداده للتسامي فوقها، والتطلع إلى ما هو أكبر من الدنيا وأحسن، إذ أتبعَ تقريرَ تلك الحقيقة، الدعوةَ إلى ما هو أسمى وأكبر، فقال: {وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 15] . والقرآن في أساليبه البيانية يقابلُ دوماً متاعَ الدنيا بنعيم الآخرة، لتحقيق التوازن في سلوك الناس حتى لا يسترسلوا في تناول شهوات الدنيا، ويستغرقوا فيها، فتشغلهم عن ذكر الله والآخرة، وعلى ضوء هذا نفهمُ ما ورد في ذم الشهوات وعيبها، فإنه لم يأت منعًا كاملاً لها، ولكنه ذم للطغيان فيها، ولو أخذ الإنسانُ منها بقدر المباح لما لحقه ذم أو عيب، قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ