أما بعد، أيها الناس: اتقو الله تعالى واعلموا أن الله سبحانه فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها، فاعرفوا حدود الله وأحكامه واعلموا بما تقتضيه شريعته الكاملة، إلا وأن مما أحكمه الله شرعاً وتنظيماً ذلك النكاح الذي جعله الله صلة بين بني آدم وسبباً للقربى بينهم، ورتب لعقده وفسخه أحكاماً معلومة وحدوداً معروفة. فهو عقد عظيم خطير يترتب عليه من أحكام الله شيء كثير، يترتب عليه النسب والإرث والمحرمية والنفقات وغيرها. فمن ثم اعتنى الشارع به اعتناء عظيماً بالغاً، فجعل له شروطاً وحرمات. ونحن نذكر هنا شيئاً من ذلك. فمن شروط عقد النكاح أن يكون بولي بالغ عاقل يعرف الكفؤ من الناس ومصالح النكاح لقوله - صلى الله عليه وسلم: لا نكاح إلا بولي. فالمرأة لا تزوج نفسها ولا غيرها لا بطريق الأصالة ولا بطريق الوكالة، والولي هو العاصب، وأحق الناس بالولاية أقربهم، ولا ولاية لمن يدلي بالأم فقط كأبي الأم والخال والأخ من الأم لأن الولاية في النكاح للعصبة فقط، ويجب على الولي أن يتقي الله تعالى وأن يراعي مصلحة المرأة ويزوجها من هو كفؤ لها ديناً وخلقاً إذا رضيته، ولا يحل له أن يمنعها من الكفؤ فإن فعل فقد عصى الله ورسوله وسقطت ولايته عليها ويزوجها غيره من أوليائها. ومن شروط عقد النكاح رضا المرأة إذا كانت بالغة، فلا يجوز أن تزوج المرأة بغير رضاها سواء كانت بكراً أم ثيباً وسواء كان الذي يريد أن يزوجها أباها أو غيره لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا تنكح البكر حتى تستأذن ) )، وفي رواية لمسلم: (( والبكر يستأمرها أبوها ) ). وقد كان بعض العلماء - رحمهم الله - يقولون لا بأس أن يجبر الأب بنته البكر، ولكن قولهم ضعيف لأنه يخالف الحديث ولأنه يترتب على ذلك مفاسد كثيرة غالباً، ولأن كثيراً من الناس قد يجبر ابنته لمصلحة نفسه، ولأنه إذا كان لا يملك أن يجبرها على بيع أقل شيء من مالها فكيف يملك أن يجبرها على بذل