فالجواب: أن هذا الحديث ليس فيه دلالة على أنهم كانوا مؤمنين، ولفظه عند هؤلاء:"فقال ناس: نحن لا نصدق محمداً بما يقول ، فارتدّوا كفاراً، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل. ."الحديث .
فقوله:"فارتدوا كفاراً"لا يدل على أنهم كانوا مؤمنين، وإنما يدل على أنهم بعد أن رأوا هذه الآية العجيبة؛ وهي أنهم تحدّوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت صدقه في أنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم رجع في ليلة ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يصف لهم بيت المقدس وصفاً دقيقاً، وهم يعلمون أنه لم يره، وأخبرهم بعيرهم التي في الطريق، وهذه آية عظيمة تستوجب من كفار مكة الإيمان بصدق نبوته صلى الله عليه وسلم، ولكنهم مع هذا كله قالوا: نحن لا نصدق محمداً بما يقول، فبدلاً من الإيمان ارتدّوا إلى كفرهم، وباقي الروايات التي ذكرت في هذه الحادثة من غير هذا الطريق تدل على ما ذكرته، فليس فيها ذكر الارتداد، فضلاً عن التصريح بردة بعض من كان آمن، على أن سند الحديث يحتاج إلى تأمل، يشعر به قول ابن جرير الطبري في الموضع السابق من"تهذيب الآثار":"وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيماً غير صحيح؛ لعلل: إحداها: أنه خبر لا يعرف له مخرج يصح عن ابن عباس - على ما روي عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عنه - إلا من هذا الوجه، وإن كان قد روى بعض ذلك عن عكرمة، من غير حديث هلال بن خباب . . )) الخ ما قال ، والمهم منه ذكر العلة الأولى هذه فالحديث يرويه هلال بن خبّاب، عن عكرمة، عن ابن عباس. وأحاديث الإسراء وردت عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم استوعب ذكرهم الحافظ ابن كثير في أول سورة الإسراء، ومنهم ابن عباس رضي الله عنهما، ولم يرد في حديث أي منهم ذكر الردّة إلا في طريق عائشة الذي تقدم الكلام عنه، أو في هذه الرواية . وقد روي الحديث عن ابن عباس من خمس طرق - على ما ذكر ابن كثير - ، وبعضها في الصحيح، وليس في شيء منه هذه الطرق"