فهرس الكتاب

الصفحة 19029 من 19127

.. فإذا كان قدرُ الحديث عندهم على ما ترى، فكيف به إذا قيده بقوله:"أخذنا بأطراف الأحاديث"؟! فإن في ذلك وحيًا خفيًّا ورمزاً حُلواً. ألا ترى أنه قد يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون ويتفاوضه ذوو الصبابة من التعريض والتلويح والإيماء دون التصريح وذلك أحلى وأطيب وأغزل وأنسب من أن يكون كشفاً ومصارحةً وجهراً، وإن كان الأمرُ كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندَهم وأشدُّ تقدماً في نفوسهم من لفظهما، وإن عذب ولذ مستمعه.. نعم، في قول الشاعر:"وسالت بأعناق المطي الأباطح"مِن لطافة المعنى وحسْنِه ما لا خفاء به، وسأنبّه على ذلك، فأقول: إن هؤلاء القوم لما تحدثوا وهم سائرون على المطايا شغلتهم لذة الحديث عن إمساك الأزمة، فاسترخَتْ عن أيديهم، وكذلك شأن من يشره وتغلبه الشهوة في أمر من الأمور، ولما كان الأمر كذلك وارتخت الأزمة عن الأيدي أسرعَت المطايا في المسير، فشبهت أعناقها بمرور السيل على وجه الأرض في سرعته، وهذا موضعٌ كريم حسَن لا مزيد على حسنه، والذي لا ينعم نظره فيه لا يعلم ما اشتمل عليه من المعنى، فالعرب إنما تحسّن ألفاظها وتزخرفها عنايةً منها بالمعاني التي تحتها، فالألفاظ إذًا خَدَمُ المعاني، والمخدومُ لا شكَّ أشرفُ مِن الخادم. فاعرف ذلك وقس عليه [3] .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] هو أبو صخر كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي المدني، ولد سنة 40هـ، وتوفي (150) هـ. شاعرٌ تتيم بـ"عَزّة"واشتهر بها، وهي عزة بنت حُميل بن حفص من بني حاجب بن غفار كنانية النسب.

[2] المِقَة: المحبة، وقد ومِقَه يمِقه، أحبه فهو وامق.

[3] المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. ج1، ص 340 - 342.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت