فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
يَبدو لي - واللَّه أعلم - أنَّ معنى الآية أبعد مما ذكر وأشمل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بُعِث في زمن كان العالم كله يعاني فيه من أزمة ظاهرة في القيم، وأبرزها قيمة الرحمة، فإن هذا الخُلُق كاد يكون معدومًا في العالم آنذاك، ومظاهر هذا كثيرة؛ فعند العرب كان وأد البنات، والقتل لأسباب تافهة، وربما قتل أحدهم الآخر دونما سبب. وفي المحيط الخارجي كانت ثقافة الرومان التي تقوم على القوَّة والبطش ولم يكن للرحمة فيها مكان، وكانت بلاد الفرس ترزح تحت وطأة الطبقيَّة المَقيتة الَّتي حطَّمت الضعفاء والفقراء، وفي الهند كانت المرأة تُحرَق حية مع زوجها بعد وفاته، وكانت الحروب بين الشعوب مدمرة طاحنة تستمر عدة سنوات لا يرقب فيها فريق رحمًا ولا خلقًا.
في هذه الأجواء التي تفتقد الرحمة بِكُلّ معانيها ومظاهرها أرسل اللَّه - تعالى - النبيَّ مُحمَّدًا - صلى الله عليه وسلَّم - ليَنْشُرَ ثقافة الرحمة في العالم كله، ومن أجل أن يضع أُسُسًا للتَّعامُلِ تكون فيها الرحمة غالبةً لِلخصومة، ويكون فيها العدل مضبوطًا بالرحمة؛ بل تكون فيها الحرب غير خالية من الرحمة.
وقد ظهرتْ هذه الثقافة في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً، فقد حثَّ على الرحمة، ورغَّب فيها، وذمَّ مَن قلَّل مِن شأنها، وبيَّن للنَّاس جميعًا سَعَة هذه الرَّحْمة، وتعدّد مظاهِرِها حتَّى شمِلَت - إلى جانب الإنسان صديقًا كان أو عدوًّا - الحيوانات والطيور.
فكانَتْ رِسالة النَّبيّ محمد - صلى الله عليه وسلم - مؤشرًا على انتشار ثقافة جديدة في العالم كله، هي ثقافة الرحمة، وحق له بهذا أن يكون رحمة للعالمين.