ولا يحسبن أحد أن الاقتصاد الإسلامي قاصر على إصدار الأحكام فيما يدلي به الآخرون، وأنه يفتقر إلى روح المبادرة، إذ لو كان كذلك لما قوي شأن الدولة الإسلامية في بضعة عقود حتى جاء اليوم الذي نادى فيه المنادى: هل من غارم فيقضى دينه)، أو من أعزب فيزوج، أو من صاحب حاجة فتقضى.. فلا يجد مجيباً، ولم تكن تلك الرفاهية الاقتصادية ضربة حظ، وإنما نتيجة حتمية لمنهج قويم متكامل، أيقن من علَّمه وبلَّغه -صلى الله عليه وسلم- أن هذه هي نتيجته في مرحلة من مراحله كما ورد في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لعدي بن حاتم وهو يدعوه إلى الإسلام فكان مما قال:"ما يمنعك أن تسلم؟.. خصاصة تراها من حولي.... وليفيضن المال - أو ليفيض - حتى يهم الرجل من يقبل منه ماله صدقة" [1] .
إذاً فقد كانت الرؤية واضحة أمام النبي -صلى الله عليه وسلم- أن في الإسلام من الفكر الاقتصادي ما يكفي للوصول إلى أعلى قمم الاكتفاء والرفاهية التامة لجميع أفراد المجتمع، كما أن في رقي الدولة الإسلامية عقوداً وتقدمها على غيرها حقباً، في وقت تمسكها بالإسلام وعملها وفق مبادئه دليلاً آخرَ على تطور النظرية الاقتصادية الإسلامية ومواكبتها.
وربما دَفَعَ أولئك الأدعياءَ إلى ما قالوا كونُ الاقتصاد الإسلامي لا ينفك عن إطار الشريعة العام، فالشريعة الإسلامية متكاملة متجانسة غير متباينة أو مجزأة فللاقتصاد صلته الوثيقة بالسياسية الشرعية والقضاء وغيره ولذا فهو متداخل مع غيره من جوانب الدين غير بائن عنها، وهذه ميزة أخرى من ميزات الدين وهي التجانس والتوافق والتوائم بين كل جوانبه؛ فالسياسة الشرعية تبرز الاقتصاد الإسلامي، والقضاء يبرز السياسة، وهكذا تجانس لن تجده في غير تنزيل الحكيم الحميد.