فهرس الكتاب

الصفحة 2281 من 19127

ولقد عرض للفكر العربي إنهيار مماثل بإزاء الحضارة الوافدة، بلغ في هذه السنين الأخيرة أقصاه، حتى أصبحنا نقلب المجلات العربية فنجد فيها مقالًا عن (آرثر ميلر) يجاوره مقال عن (بيير كورني) يليه مقال عن (برونو) ثم مقال عن (فولتير) ، فنعجب من أن تفكيرنا بات منحصرًا في آداب الغرب فلا نتحدث إلا عنهم وكأن ليس لنا أدب على الإطلاق. يضاف إلى ذلك أن هؤلاء الكتاب لا يتخذون موقفًا عربيًا مما يكتبون عنه من أدب الغرب، وإنما يصدرون في تعليقاتهم عن عين الموقف الذي يصدر عنه الكاتب الغربي.

فلو ترجمنا المجلة إلى لغات أوربا لما وجد الغربي فيها أي جديد يشوقه. وما من انهيار يصيب أمة من الأمم أفظع من هذا، فإن إنتاج هؤلاء الاعلام الغربيين يحتوي على اتجاهات ومبادئ تخدم الفكر الغربي في صميمه، فلو ارتفعنا إلى مستوى شخصيتنا الحضارية لكانت لنا تحفظات واعتراضات على ما يقولون، لا لأننا ننكر ما في إنتاجهم من جوانب الجمال، وإنما لمجرد أننا أبناء أمة لها أدبها وحضارتها ودينها، فاختلاف وجهات النظر أمر بديهي متوقع، وأما الإعجاب بكل ما يقولون ويعتقدون، فلا يدل على أكثر من أننا قد فقدنا ايجابيتنا وبتنا لا نفكر.

ولقد شاع بين الناشئة العرب اليوم احساس ضعيف تمكن في نفوسهم مؤداه أن علينا إذا أردنا أن نبني الأدب العربي أن ننبذ تراثنا وماضينا جملة (وأن نقبل) التراث الغربي دونما مناقشة أو تدبر، وعلى أساس هذا الاحساس غرق الناشئة في الأخذ والاقتباس والتقليد، حتى بلغ الأمر مبلغ الخطورة. ولقد تأملت مظاهر الغزو في أدبنا الحديث طويلًا فوجدتها تكمن في أربع جهات سأجملها فيما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت