فهرس الكتاب

الصفحة 2614 من 19127

كما يأتي المستشرقون ليصبحوا جنود المسيحية الشمالية (( الذين وهبوا أنفسهم للجهاد الأكبر، ورضوا لأنفسهم أن يظلوا مغمورين في حياة بدأت تموج بالحركة والغنى والصيت الذائع، وحبسوا أنفسهم بين الجدران المختفية وراء أكداس من الكتب مكتوبة بلسان غير لسان أممهم التي ينتمون إليها، وفي قلوبهم كل اللهيب الممض الذي في قلب أوروبة، والذي أحدثته فجيعة سقوط القسطنطينية في حوزة الإسلام، ولكن لاهم لهم ليلاً ولا نهاراً إلا حيازة كنوز علم دار الإسلام بكل سبيل، تتوهج افئدتهم ناراً أعتى من كل ما في قلوب رهبان الكنيسة، ولكنهم كانوا يملكون من القدرة الخارقة أن يخالطوا أهل الإسلام في ديارهم، وعلى وجوههم سيمياء البراءة واللين والتواضع وسلامة الطويلة والبشر. وبفضل هؤلاء المتبتلين المنقطعين عن زخرف الحياة الجديدة، وبفضلهم وحدهم بفضل ملاحظاتهم التي جمعوها من السياحة في دار الإسلام ومن الكتب، وبذلوها لملوك المسيحية الشمالية نشأت طبقة الساسة الذين يعدون ما استطاعوا من عدة لرد غائلة الإسلام ثم قهره في عقر داره، ولتحقيق الأحلام والأشواق التي كانت تخامر قلب كل أوروبي أن يظفر بكنوز الدنيا المدفونة في دار الإسلام وما وراء دار الإسلام. وهم الذين عرفوا فيما بعد باسم رجال (( الاستعمار ) ). وبفضلهم وحدهم أيضاً، وبفضل ملاحظاتهم التي زودوا بها رهبان الكنيسة ثارت حمية الرهبان ونشأت الطائفة التي تدرت نفسها للجهاد في سبيل المسيحية، وللدخول في قالب العالم الإسلامي لكي تحول من تستطيع تحويله عن دينه إلى الملة المسيحية، وأن ينتهي الأمر إلى قهر الإسلام في عقر داره - هكذا ظنوا يومئذ - وهذه الطائفة هي التي عرفت فيما بعد باسم رجال (( التبشير ) ). فهذه ثلاثة متعاونة متآزره متظاهرة، وجميعهم يد واحدة لأنهم أخوة أعيان، أبوهم واحد، وأمهم واحدة، ودينهم واحد، وأهدافهم واحدة ووسائلهم واحدة [10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت