لذا سجل القرآن عجز الإنس والجن مهما أوتوا من قوة وبذلوا من جهد، فقال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [12] .
الثاني: وجود المقتضي عند المتحدى لمواجهة التحدي.
أما وجود المقتضي فإن محمداً صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى توحيد الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته. وهذا ما جعلهم يقفون في وجه دعوته، خاصة زعماء قريش لأنهم عرفوا أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم تقضي على امتيازاتهم القبلية ومواقعهم الإِجتماعية وتجعل الولاء والتوجه لله وحده. وهذا يفقدهم زعامتهم التي بنيت على اعتبارات جاهلية لم يقرها الإِسلام ونفاها وجعل الميزان الذي يوزن به الناس التقوى، فقال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [13] .
وقد كان العرب يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، فعاب عليهم القرآن فعلتهم هذه وسفه أحلامهم ؛ لأن العاقل السوي لا يعبد صنماً ينحته بيده أو يصنعه من تمر إذا جاع أكله، بل أكثر من ذلك فقد سجل القرآن أن كل من وقف في وجه الدعوة عناداً وكفراً أضل من الأنعام وكالدواب والكلاب. قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [14] . وقال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [15] .