فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكان فيه من الورع والتقوى ما يدعو للدهشة والإعجاب، ويكفي في ذلك قوله:"إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أنِّي اغتبتُ أحدًا" [25] .
ومن دقيق محاسبته لنفسه في ذلك، أنه قال يومًا لأبي معشر الضرير:"اجعلني في حلٍّ يا أبا معشر. فقال: من أيِّ شيءٍ؟ قال: رويتُ يومًا حديثًا، فنظرت إليكَ وقد أعجبتَ به، وأنت تحرِّك رأسَك ويدَك؛ فتبسَّمتُ من ذلك. قال: أنت في حلٍّ، رحمك الله يا أبا عبدالله" [26] .
وبلغ من شدَّة وَرَعِه، أن ابنه أرسل إليه بضاعةً، فطلبها بعض التجار بربح خمسة آلاف درهم؛ فقال:"انصرفوا الليلة؛ فجاءه من الغد تجارٌ آخَرون، وطلبوها بربح عشرة آلاف؛ فقال: إني نويتُ أن أبيعها للذين أتوا البارحة، ولا أحبُّ أن أغيِّر نيَّتي" [27] .
وقد ورث من أبيه مالاً جليلاً، وكان يدفعه إلى بعض مَنْ يتاجر به مضاربةً، وكان منهم من أخذ خمسة وعشرين ألفًا ولم يُرْجِعْ إليه شيئًا؛ فقيل للبخاري:"استعنْ بكتاب الوالي عليه؛ حتى يُعيد إليك مالَكَ. فقال رحمه الله: إن أخذتُ منهم كتابًا طمعوا، ولن أبيع ديني بدنياي". ثم صالح غريمه على أن يعطيه كلَّ شهرٍ عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله [28] .
وأرسل إليه أحد الولاة أن يأتيه بكتابَيْه:"الصحيح"و"التاريخ"؛ حتى يسمعهما منه؛ فقال لرسول الوالي:"أنا لا أذلُّ العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس؛ فإن كانت لكَ إلى شيءٍ منه حاجة؛ فاحضر في مسجدي أو في داري ..." [29] .
فصار ذلك سببَ وَحْشَةٍ بينه وبين الوالي، مع سعي الوشاة بينهما؛ فنفاه عن البلد، فدعا عليهم - وكان مُجابَ الدَّعوة - وقال:"اللهم أَرِهِمْ ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم". قال الرُّواة:"فما مضى على دعوته شهرٌ؛ حتى صار عاقبة الوالي إلى العزل والذُّل، ثم الحبس، ومَنْ سعى فيه ابتُلِيَ في أهله، حتى رأى فيهم ما يجلُّ عن الوصف، وآخَر ابتُلِيَ في أولاده بالبلايا" [30] .