من أجل التَّوْحيد بني بيت الله العتيق، الذي رفع قواعده إبراهيم خليل الرَّحمن وابنه إسماعيل - عليهما السَّلام - وما برح هذا البيت العتيق يطاول الزَّمان وهو شامخ البنيان، في مَنَعَةٍ من الله وأمان، تتعاقب الأجيال على حجَّه، ويتنافس المسلمون في بلوغ رحابه، ففي جواره التَّوْحيد، وفي رحابه الأمن والخير والبركة: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْراهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] ، {وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاس فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 35-36] .
لقد أُرْسِلَ المصطفى بنورٍ ساطعٍ وضياءٍ لامعٍ، أضاء به الطَّريق وأوضح به السَّبيل، طهَّر الله به جزيرةَ العرب من رجس الوثنيَّة، وهَيْمَنَة الأصنام، وكان كبير الأصنام هُبَل بأعلى مكة، وحوله ثلاثمائة وستون صنمًا، كلُّها من الحجارة، فطعن فيها المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - بيده الشَّريفة حين دخوله الكعبة يوم الفتح، وهو يردِّد قول الله تعالى: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء:81] [1] . وبعض المسلمين كان يردِّد: يا عُزَّى كفرانكِ لا غفرانكِ، إني رأيتُ الله قد أهانَكِ!!
وفي الحج - أيُّها المسلمون - معانٍ كبيرة من معاني التَّوْحيد، تمثَّلت في منع المشركين من دخول المسجد الحرام: {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] .