فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وإذا كانت هذه القضايا غير محصورة في مكان أو زمان مّا - كما ذكرنا - فإن أمر قبولها من عدمه يختلف من مكان لآخر، فعندما وجد مواطنو إحدى البلدان الصناعية مواطناً منهم قد توفي في إحدى الحدائق العامة بسبب البرد والجوع صاحوا ضد جمعيات الرعاية، واتهموها بالتقصير مع علمهم بوجود أولاد له. وذلك لمعرفتهم بما يجري في مجتمعهم من ضعف العلاقة بين الوالد وولده بعد بلوغ الأخير سن الرشد، واستقلاله عنه، وافتراضهم كذلك بأنه كان على الأب (( حساب ) )وضعه في كبره وعدم الاعتماد على ولده أو تكفل دور الرعاية بهذا الوضع في حال عجزه.
ولكن الأمر يختلف في بلاد أخرى ففي البلاد الإسلامية أو الغالب منها - مثلاً - لا تتوقف العلاقة بين الوالد وولده عند زمن معين بل ربما يُذهب الأب عمره في الكسب على أولاده مع قدرتهم وكسبهم لعيشهم، بل إن قصده وهمه من جمع المال ينصب دائماً على محاولة إسعادهم في حياته وبعد مماته، فلهذا لا يفرق بين ما يختص به وما يختصون به من مال وهنا تكون صدمته أقسى وأشد عندما يتخلون عنه وهو في حال من الحاجة ليس لأنهم أخلوا بواجبهم الشرعي في بره والإحسان إليه فحسب، بل لأنهم أخلوا كذلك بواجبهم الخلقي فنسوا ما فعله، وجحدوا ما صنعه.
ولقد نقل أبو عبدالله القرطبي صورة لصدمة الأب الذي شكاه ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومفاد هذه القصة ما رواه جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي. فقال له عليه الصلاة والسلام: (( فأتني بأبيك ) )، فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك: إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه ) ).