إن أولَ ثلاثِ قِصَصٍ من مجموعة"من غير كلام"تنمو من خلال بُعْدِها الاجتماعيِّ في بلاد الغربة، في بلاد غير إسلامية حين تحاصِرُنا ذاكرةُ المكان، وذاكرةُ الوجوه، ونكادُ نفقد حميمية الأخُوَّة والتواصل، ولكنْ قد تكون هذه الغربةُ أعظمَ تأثيراً في النفوس كي تتآلفَ وتتآزر؛ وهذا ما نراه في قصة"من غير كلام -1"إذ تحكي قصةَ طالب عربيٍّ مسلم يَدرُس في بريطانيا، وقد مَرِض، ودخل المستشفى، وفي غرفته رقد إنكليزيان مريضان هما (ديفيد) و (إلن) ، ومن المفارقات كثرةُ زُوَّار هذا الطالبِ، وكثرةُ ما يُقدِّمون له من هدايا، ونقود، واهتمام، وندرةُ زُوَّار المريضين الإنكليزيين برُغْم أنهما في بلدهما, وبين أهلهما!.
وكان (ديفيد) لا يكاد يُصَدِّق ما يجري أمامه من هذه المحبَّةِ؛ لذلك نَقرَأُ في القصَّة على لسانه:
(( قال لي:
-يبدو أنك شخص مهم.
أجبته:
-لا لست مسؤولاً كبيراً ولا ثرياً من الأثرياء حتى أكون مُهِمّاً؛ لكن الأمر لا يتوقف على المركز الاجتماعيِّ فقط، فربما لقي الفقيُر عنايةً أكبرَ؛ لأن الجميعَ يزورونه، ويقدِّمون له المساعدةَ رجاءَ أجر الله - سبحانه وتعالى.
-لم أفهم.
-هذا جُزء من عقيدتنا، اختلط هذا المبدأُ بدمنا وعَظْمنا ولَحْمنا، وما تراه دليلٌ على ما أقول.
-قال لي: لقد حضر إليك أصدقاءُ بعضهم ليسوا عرباً مِثلَكَ.
رددتُ عليه بأن المسلمين إخوةٌ مَهْمَا كانتْ جنسيَّاتُهم وبلادُهم وألوانُهم )) .
وبعد مُضِيِّ زمنٍ فوجِئ هذا الطالبُ برسالةٍ من (ديفيد) تبدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) يخبره بإسلامه، وأنه مَدِينٌ له بذلك بعد تلك الأيامِ التي قضاها في المستشفى معه، ورأى ما رأى من حبٍّ وإيثار وأُلْفَةٍ بين المسلمين، مما جعله يَقرَأ في هذا الدينِ، ويُعْجَب بأفكاره، ويُسْلِم أخيراً.