وللنَّاس في كلِّ زمانٍ أفهامٌ حول هذه الحياة الطيِّبة، وهم تبعًا لذلك أصناف:
فمنهم مَنْ يرى الحياة الطيِّبة في كثرة المال وسَعَة الرِّزق، وأنَّه إذا توفَّرت له هذه الأمور فإنه في حياة طيِّبة وحياة كريمة، فهو يسعى في ذلك ويُجهد نفسَه، ويسلك كلَّ الوسائل التي يرى أنها تمكِّنه من الحصول على مطلبه؛ بل بعض الناس يجعل من هذه الغاية مبرِّرًا لكلِّ وسيلة، فيتَّخذ كلَّ ما خطر بباله ويرى أنه يوصله لهذه الغاية، ولو كان مما حرَّم الله - تبارك وتعالى! إن كان من قبيل الرِّبا أَقْدَمَ ولا يبالي، حتَّى ولو ذُكِّر بقول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( لعن الله آكِلَ الرِّبا، وموكِلَه، وكاتبه، وشاهدَيْه ) ) [1] .
يسعى إلى المال ولو كان من قبيل الرِّشوة، حتَّى ولو ذُكِّرَ بقول الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( لعن الله الرَّاشي، والمُرْتَشي، والمُرْشي، والسَّاعي بينهما ) ) [2] ، أو كما قال عليه الصَّلاة والسَّلام.
يسعى للحصول على المال، ولو كان بأكل أموال اليتامى ظلمًا، يسعى للحصول على المال، ولو كان في أكل أموال الناس بالباطل، يسعى للحصول على المال، ولو كان بالغشِّ والأَيْمان الكاذبة والحِيَل المحرَّمة، كلُّ ذلك بُغْيَة أن يحصل على مقصوده؛ ليحصل على ما يراه من حياة طيِّبة! يُضني نفسه ويجهدها، ويُضني مَنْ تحت يده ويجهدهم - بل ويظلمهم - وبعضهم قد يصل إلى الذين حذَّر الله ورسوله منهم بقوله: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55] .
يسعى ويرى أن غيره ممَّن لم يكن على شاكلته لم يعرفوا معنى الحياة الصحيحة بعد، ولم يذوقوا لها طعمًا!
وقليلٌ من الناس مَنْ يكسب المال من حِلِّه، ويحرص على أن يضعه في حِلِّه، ويجعله معونةً على طاعة ربِّه حتى لا يَفْتِنَهم في دينهم.