2-ومن الخنفشاريين: خبير النعنع، ففي مُلَح التاريخ، كما ذكر السخاوي: أنَّ جهنيًّا كان من ندماء المهلبي، وكان يأتي بالطامَّات، فجرى مرة حديثٌ في النعنع، فقال: في البلد الفلانيّ نعنع، يطول حتى يصير شجرًا، ويُعمل من خشبه سلالم، فثار منه أبُو الفرج الأصبهاني صاحب"الأغاني"فقال: نَعَم، عجائب الدنيا كثيرة، ولا يُنكر هذا، والقدرة صالحة، وأنا عندي ما هو أغرب من هذا: أنَّ زوجَ الحمام يبيض بيضتين، فآخذُهما وأضع تحتهما سنجة مائة، وسنجة خمسين - السنجة كفة الميزان - فإذا فرغ زمن الحضانة، انْفَقَسَتِ السنجتان عن طست وإبريق، فضحك أهل المجلس، وفطن الجهني لما قصد به أبو الفرج من"الطنز"، وانقبض عن كثير من حكاياته.
3-ومنهم الهروي: شمس بن عطاء الرازي المتوفَّى في سنة 887هـ، كان من أعوان تيمورلنك، وكان عريض الدَّعْوَى في الحفظ، فاستعظم الناس ذلك، فجُعِل له مجلس لامتحانه، وكان من جملة ما سُئِلَ عنه حينئذ: هل ورد النَّصّ على أن المغرب تقصر في السفر؟ فقال: نعم، جاء ذلك من حديث جابرٍ في كتاب"الفردوس"لأبي الليث السمرقندي، فلمَّا انفصلوا ورجعوا إلى كتاب أبي الليث لم يجدوا فيه ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: لكتاب السمرقندي هذا ثلاثُ نُسَخٍ: كبرى، ووسطى، وصغرى. وهذا الحديث في الكبرى، ولم تدخل الكبرى هذه البلاد! فاستشعروا كذبه من يومئذ. وقد ساقها الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في ترجمته له. هكذا فليكن كذب المتعالمين!
4-وذكر قصة البغاددة مع محمَّد بن عبدالواحد الباوردي أبو عمر الزاهد المتوفى سنة 345هـ المشهور بلقب"غُلام ثعلب"على ما في ترجمته، وكان مشهورًا بالحفظ المدهش، وكان لسَعة حفظه يطعن عليه أهل الأدب، ولا يوثّقونه في علم اللغة، حتى قال عبيدالله بن أبي الفتح: لو طار طائر في الجو، لقال أبو عمر الزاهد: حدثنا ثعلب، عن ابن الأعرابي، ويذكر في معنى ذلك شيئًا، وكان المحدِّثون يوثقونه.