فما حصل من تقسيم لم يكن إذًا في كيان المرابطين بصفتهم حركة أو دولة، وإنما كان في الإدارة، خاصة وقد عَظُمت الدولة وأصبح أمامَها أرجاءٌ واسعة تتطلب جهادًا وفتحًا وبالتالي إدارة فتَوَجَّبَ لذلك أن يكون للمغرب جندُها وإدارتُها وللصحراء جندُها وإدارتُها [28] ؛ ليعمل كُلُّ فريقٍ في جِهَتِهِ ويحقق تطلُّعاتِ المرابطين وأهدافَهم من الجهاد.
أهداف الهجوم على غانا:
إن من الواضح أن المصارد لم تعط اهتمامًا يُذْكر لجهاد المرابطين في السودان؛ [29] لذا فليس من المتوقع أن يوجد فيها حديثٌ مفصَّل عن هذا الهدف أو ذاك من زحف أبي بكر بن عمر ومَن معه مِن المرابطين على غانا. ولهذا السبب، وأخْذًا في الحسبان باستمرارية حركة المرابطين ممثَّلةً في فريقَيْها كلٌّ في منطقته، كما تبيَّن في الأسطر السابقة، فإنه لابد لنا من الاتجاه إلى جوانب من تاريخ هذه الحركة، والمبادئ التي قامت عليها، وتطور جهاد أفرادها في الصحراء والمغرب، لكي نتلمس ونحدد الهدف من هجوم هذا الفريق من المرابطين على غانا، فقد جاء ضمن هذه الجوانب من الدَّلالات ما يكفي للقول بأن الهدف كان لإزاحة السلطة الوثنية وإبدال سلطة إسلامية بها؛ [30] تدعيمًا وتعميقًا لوجود الإسلام الذي وصل إلى المنطقة عن طريق التجار المسلمين وصار له أتباعٌ في غانا منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) [31] .
وإنَّ من هذه الدَّلالات الإشارةَ إلى ما كان للظروف الدينية والاجتماعية التي كانت سائدة في بلاد المغرب والصحراء مِن أثر في قيام حركة المرابطين، فالبكري أورد تفصيلات عن موجة التنبؤ والشعوذة التي عمَّت جزءًا كبيرًا من بلاد المغرب الأقصى في الفترة التي قامت فيها حركة المرابطين [32] ، وقد عبَّر ابن أبي دينار عن هذه الحالة السيئة بقوله:"وقام بالمغرب عدة أقوام مِن المفسدين وقليل من المصلحين، فقيَّض الله سبحانه وتعالى دولة الملثَّمين البربر ويقال لهم المرابطين .." [33] .