فهرس الكتاب

الصفحة 5136 من 19127

أمَّا الشُّعورُ النَّفْسِيّ الذي يُدْرِكُ الشاعرُ الأصيلُ في جَوٍّ مُعَيَّن، ومنظرٍ محدود، وزهرة خاصة، فيصل به بين النفس والطبيعة، وبين الفِكر والصورة، وبين الفَن والواقع، فذلك ما لا أَثَر له فيه، ولعلك إذا استَثْنَيْتَ من أشعار العرب في الربيع، شِعرَ ابن الرومي في العِراق، وشِعر البُحْتُرِيِّ في الشام، وشعر ابن خفاجَةَ في الأندلس، وجدتَ سائرها من هذا النمط المصريّ الذي تجد فيه الألفاظ المُبْهَمَة، ولا تجد فيه المعانيَ الملهمة، فأشعارهم في الربيع أشْبَهُ بأشعارهم في الغزل، أقلها نفسيّ صادق يصدر عن القلب وينقل عن الوجدان، وأكثرها حِسِّيٌّ كاذِب يَصدر عن الحافظة ويُنْقَل عن الكُتَّاب، والمصريون أولى من غيرهم بالعُذر إذا خلا شعرهم من وحْي الربيع؛ لأنَّ الرَّبيع الذي يزورُ الأَرْضَ في أبريل ومايو، لا يزور مصر إلا في أكتوبر ونوفمبر، فالخريف في مصر هو الربيع الحقُّ في نَضْرَتِهِ وزينته وعِطْرِهِ، فأينما تُدِرْ بصرَكَ في حقول الذرة وقصب السكر والبرسيم، لا تَجِدْ إلا رياضًا شَجراءَ من شراب وحَبٍّ، ومروجًا فيحاء من زهور وكَلأ، ثم ترى النيل في أعقاب فيضانه؛ كذَوْب التِّبْر ينساب هادِرًا في التُّرَع والقنوات، فيجعل من ضفاف الجداول، وحفافي الطرق، وحواشي الغيطان، سلاسل زَبَرْجَدِيَّة من الريَحان والعُشب، لذلك افْتَنَّ شعراء الريف في وصف الخريف وأبدعوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت