أما بعد: فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله عز وجل؛ فإن آياته في خلقه عظيمة، يراها العباد في السموات وفي الأرض وفي أنفسهم، وكلها دلائل على عظمة الله تعالى وقدرته، وعلمه وإحاطته، وعجيب صنعه وتقديره {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر:13] {وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللهِ تُنْكِرُونَ} [غافر:81] {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصِّلت:53] وذلك يستوجب عبادته وحده لا شريك له، وشكره على نعمه، والحذر من معصيته {يُنَزِّلُ المَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل:2] .
أيها الناس: لله عز وجل في خلقه آيات باهرة، ومعجزات قاهرة، تبهر العقول، وتملك النفوس، وتخوف العباد، وتقهر الأقوياء. وله سبحانه وتعالى جند في الأرض وفي السماء، من الملائكة والإنس والجن، ومن الحيوان والوحش والطير، ومن الزواحف والحشرات والطفيليات والجمادات، ومن الكواكب والأنجم والنيازك، ومن البحار والرياح والزلازل والأعاصير والبراكين والأوبئة، في البر والبحر، وفي الأرض والأجواء، لا يعلم عدتها إلا الله تعالى، ولا يدرك قوتها إلا هو سبحانه، تأتمر بأمره عز وجل، يسلطها على من شاء من خلقه فلا يقف أمامها شيء، حتى تنهي مهمتها، وتؤدي وظيفتها {وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد:11] .