فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وأنت خبيرٌ أن هذا النبيَّ الكريمَ - صلى الله عليه وسلم - كانت تأخذه عند نزول الوحي عليه أحوالٌ وُصِفَتْ في كُتُبِ الحديث: قالت عائشة - رضي الله عنها:"ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فَيَفْصِمُ [30] عنه، وإن جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ [31] عَرَقًا"، وفي حديث آخَرَ عنها قالت:"فأخذه ما كان يأخذه من البَرْحَاءِ [32] حتى إنه لَيَتَحَدَّرُ [33] عنه مِثْلُ الجُمَانِ [34] منَ العَرَق في يومٍ شاتٍ"، وفي حديث زيد بن ثابت:"فأنزل الله - عز وجل - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفَخِذُهُ على فَخِذِي فثَقُلَتْ عليَّ حتى خِفْتُ أن تَرُضَّ [35] فَخِذِي"، وفي حديث يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ حين قال لعمر:"أَرِنِي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حين يوحى إليه: فأشار عمر إليَّ، فجئتُ وعلى رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوبٌ قد أظلَّ به فأدخلتُ رأسي فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُحْمَرُّ الوجهِ، وهو يَغُطُّ" [36] أي: يُرَدِّدُ نَفَسَهُ من شِدَّةِ ثِقَلِ الوَحْيِ"."
فهذه كلُّها أحوال تَصِفُ عَمَل الدِّماغ بكل ما فيه من جُهد القُوى العَصَبِيَّة؛ ليرتفع بالحياة إلى ما فوقها، ويتركها لوعي الروح وحدها، لا يشاركها في هذا الوعي فِكْر، ولا هاجس [37] ، ولا يتَّصل به شيء من حياة الحيِّ، فيتحقَّق للنبي - صلى الله عليه وسلم - وجودٌ آخَرُ غيرُ وجوده المحدود بجسمه، وطباعه، ودُنياه؛ ويخرج بوَعْيِهِ من هذه الجاذبية الأرضية إلى ما وراء حدود الطبيعة من قُوى الغَيْب، وبذلك يتلقى عن روح الكون ثم يَفْصِمُ عنه وقد وعى ما أُوحِيَ إليه.